معركة التلقيح الصامتة.. كيف يستثمر المغرب في النحل لحماية أمنه الغذائي؟

بعيدا عن ضجيج الأسواق ومنطق المؤشرات الاقتصادية، تدور في صمت الحقول والبساتين معركة وجودية تقودها كائنات لا تكاد تُرى بالعين المجردة. يضع النحل مستقبل غذاء البشرية على أجنحته، إذ تؤكد تحليلات «منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة» «FAO» أن قرابة 75 في المائة من المحاصيل الغذائية في العالم تعتمد، بشكل كلي أو جزئي، على الملقحات الحية، في وقت يرتبط 35 في المائة من الإنتاج الفلاحي العالمي مباشرة بنشاط هذه الحشرات الدؤوب.
تختزل هذه الأرقام معادلة لا تحتمل التأويل؛ فاختفاء الملقحات لا يعني فقط فقدان أنواع حية، بل يهدد بانهيار بنية الأمن الغذائي العالمي. وتشير التقديرات، التي جرى تحيينها يوم الجمعة، إلى أن غياب النحل ونظرائه قد يُحدث فجوة تتراوح بين 5 و8 في المائة من حجم الإنتاج الزراعي العالمي، بما يترجم إلى خسائر اقتصادية سنوية تتراوح بين 235 مليار دولار و577 مليار دولار. وفي موازاة ذلك، يقف نحو 40 في المائة من أنواع الحشرات الملقحة على حافة الانقراض، في مشهد تغذيه التغيرات المناخية المتسارعة، والاستعمال المفرط للمبيدات، وتراجع المواطن الطبيعية.
وعلى الصعيد الدولي، تقود منظمة «FAO» جهودا واسعة لتعبئة الإرادة العالمية حول حماية الملقحات، من خلال مبادرات من أبرزها اعتماد يوم 20 مايو يوما عالميا للنحل، وإطلاق برامج داعمة لفلاحة مستدامة، والترويج لنماذج إنتاج «صديقة للملقحات» تقوم على تنويع الزراعات، وتقليص المدخلات الكيميائية، واستعادة النظم البيئية المتضررة. وفي قلب هذه الدينامية الدولية، تبرز التجربة المغربية بوصفها نموذجا يلتقي فيه الرهان البيئي مع متطلبات التنمية الاقتصادية.
ويختزن المغرب ثروة وراثية نادرة تتمثل في ثلاث سلالات محلية من النحل، تتصدرها «النحلة الصفراء الصحراوية» «Apis mellifera sahariensis»، التي تواجه ضغوطا متزايدة تهدد استمرارها بفعل التغير المناخي وتراجع التنوع البيولوجي. ويكتسب قطاع تربية النحل في المملكة بعدا استراتيجيا، إذ يضم قرابة 36 ألف مربٍ، ويدير نحو 910 آلاف خلية، بطاقة إنتاجية سنوية تصل إلى 7.960 طنا من العسل.
ولا تقف أهمية هذه الأرقام عند حدود الإنتاج، بل تمتد إلى دعم التشغيل والاستقرار في المناطق الهشة، حيث يحقق القطاع رقم معاملات يناهز 1,1 مليار درهم، ويسهم في توفير أكثر من 2,45 مليون يوم عمل سنويا. غير أن الحفاظ على هذه المكتسبات يظل مرتبطا بقدرة المنظومة على حماية رأس المال التلقيحي وتعزيز صموده أمام التحديات البيئية المتقاطعة، ما دفع المغرب إلى بلورة استراتيجية مندمجة بشراكة مع منظمة «FAO» ومؤسسات وطنية معنية.
وترتكز هذه الاستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في حماية النحلة الصفراء الصحراوية، وتطوير تقنيات التلقيح الاصطناعي للحفاظ على نقائها الوراثي، إلى جانب تمكين الشباب والنساء عبر برامج تكوين وتأطير متخصصة. ويجسد إنشاء مركز تقني لتربية النحل بمدينة الريش، في إقليم الرشيدية، بشراكة مع «الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان» ومكتب تنمية تافيلالت، إحدى أبرز ثمار هذا التوجه، بعدما تحول إلى منصة علمية ومهنية لحماية السلالة المحلية وتثمين الخبرات التقليدية.
وفي سياق متصل، أسفرت برامج الانتقاء الوراثي عن إنتاج وتوزيع أكثر من 10 آلاف ملكة نحل، ضمن مبادرة تستهدف تعزيز قدرة السلالات المحلية على التكيف مع التحولات المناخية القاسية. ولا يقتصر الرهان على حماية حشرة صغيرة داخل النظام البيئي، بل يمتد إلى صون شبكة متكاملة تربط الأمن الغذائي بالتنوع البيولوجي واستدامة العيش في المناطق الهشة، وفي مقدمتها الواحات، حيث يتحول الحفاظ على النحلة الصحراوية إلى استثمار طويل الأمد في مستقبل الفلاحة المغربية وقدرتها على مواجهة مناخ يزداد قسوة.

تعليقات