مدريد في مرمى عقوبات البنتاغون… ومعاهدة التأسيس تتصدى لـ”الإقصاء”

كشفت مصادر دبلوماسية رفيعة أن أروقة وزارة الدفاع الأميركية شهدت نقاشاً محتدماً بشأن خيار تجميد مشاركة إسبانيا داخل حلف شمال الأطلسي، وذلك رداً على رفض مدريد تسهيل عمليات التحليق العسكري المتجهة نحو العمق الإيراني. ويعكس هذا الطرح تصاعداً غير مسبوق في التوتر داخل المنظومة الغربية، بعدما وجدت إحدى الدول المؤسسة للحلف نفسها في مواجهة مباشرة مع أعلى مستويات القيادة العسكرية في واشنطن.
وتعود جذور الأزمة إلى مذكرة داخلية أعدها إلبريدج كولبي، كبير المستشارين السياسيين في البنتاغون، عبّر فيها عن استياء متزايد من تحفظ بعض الحلفاء على تقديم ما وصفه مصدر مطلع بـ «الحد الأدنى من الواجب الأطلسي». وأكد مسؤول لوكالة «رويترز» أن هذه النقاشات ذات الطابع العقابي تُطرح داخل «أعلى مستويات القيادة العسكرية» منذ اندلاع المواجهة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، ما يعكس اتساع دائرة الخلاف بين الطرفين.
في المقابل، تمسك رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بموقفه الرافض، مانعاً أي طلب أميركي لعبور المجال الجوي الإسباني، بما يشمل الرحلات العسكرية المنطلقة من قاعدتي روتا ومورون. ويكشف هذا التوجه عن تحول واضح في المقاربة الدفاعية لمدريد، التي باتت تسعى إلى إعادة صياغة علاقتها مع واشنطن وفق منطق السيادة الوطنية، بعيداً عن معادلة «الإذعان مقابل الحماية» التي حكمت جانباً من العلاقات الأطلسية لعقود.
غير أن أي محاولة أميركية لفرض إجراء تأديبي تصطدم بعائق قانوني داخل بنية الحلف، إذ أوضح مسؤول بارز في الناتو أن «المعاهدة التأسيسية لا تتضمن أي بند يسمح بتعليق عضوية دولة عضو». كما عزز متحدث رسمي باسم الحلف هذا الموقف، موضحاً في تصريح لوكالة «أوروبا برس» أن الوثيقة المؤسسة «تخلو تماماً من أي نص يتعلق بالإقصاء أو الحد من صلاحيات الدول الأعضاء»، ما يجعل أي إجراء من هذا النوع محل جدل قانوني وسياسي واسع.
وفي رد يعكس تمسكاً بالمساطر الرسمية، أعلن سانشيز من العاصمة القبرصية نيقوسيا أن حكومته لا تبني قراراتها على «رسائل البريد الإلكتروني»، بل تعتمد على «الوثائق الرسمية والمواقف المعلنة من حكومة الولايات المتحدة». ويعكس هذا التصريح حرص مدريد على التعامل مع الأزمة ضمن الأطر الدبلوماسية التقليدية، مع تجنب الانجرار خلف التسريبات أو المؤشرات غير المؤكدة.
وتشير المعطيات إلى أن التوتر بين مدريد وواشنطن ليس وليد اللحظة، إذ سبق للرئيس الأميركي دونالد ترامب أن لوّح، خلال أكتوبر الماضي، بإمكانية إقصاء إسبانيا من المنظومة الدفاعية، متهماً إياها بالتباطؤ في الالتزامات العسكرية رغم مؤشرات اقتصادية إيجابية. وبينما تخصص مدريد حالياً نحو 2 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، فإنها لا تزال بعيدة عن سقف 5 في المئة الذي يدفع ترامب نحو تعميمه على جميع أعضاء الحلف، ما يبقي العلاقة بين الطرفين تحت ضغط حسابات أمنية وسياسية متشابكة.

تعليقات