“زوبعة في فنجان”.. هكذا وصف أحمد عصيد الجدل الذي أثارته صلاة سياح يهود في مراكش

ما يزال تداول صور ومقاطع فيديو لسياح يهود وهم يؤدون صلوات علنية قرب السور التاريخي لباب دكالة بمدينة مراكش، يثير سجالاً واسعاً في الأوساط العامة، إذ انقسمت الآراء بين من اعتبر المشهد تعبيراً عادياً عن حرية المعتقد داخل فضاء مشترك، ومن رأى فيه سلوكاً غير مألوف يطرح تساؤلات حول ضوابط ممارسة الشعائر الدينية في الأماكن العمومية.
وفي خضم هذا الجدل، دخل الكاتب والباحث أحمد عصيد على خط النقاش واصفاً الحملة المثارة حول الواقعة بأنها لا تعدو أن تكون «زوبعة في فنجان»، مؤكداً أنها لا تستند، بحسب تعبيره، إلى أهداف موضوعية. وأضاف أن وصف صلاة اليهود بـ«الطقوس الغريبة» يعكس جهلاً بالامتداد التاريخي للوجود اليهودي في المغرب، الذي يمتد لقرون طويلة، ويجعل من هذه الممارسات جزءاً من النسيج التاريخي المتعدد الذي يميز المجتمع المغربي.
وأوضح عصيد أن الفضاء العام يظل مجالاً مشتركاً بين جميع المواطنين والزوار على حد سواء، مشدداً على أن من حق اليهود، كما غيرهم، ممارسة شعائرهم الدينية في الأماكن المفتوحة، شريطة احترام القوانين الجاري بها العمل. واعتبر أن المغرب ظل عبر تاريخه بلداً منفتحاً على مختلف الديانات والثقافات، وهو ما أسهم في تشكيل إرث هوياتي متنوع يشكل، في نظره، عاملاً من عوامل التماسك الاجتماعي.
ولم يقتصر تدخل الباحث على التعليق على الواقعة، بل امتد ليشمل نقداً للسياسات العمومية المتعاقبة منذ استقلال البلاد سنة 1956، معتبراً أنها ساهمت في تهميش بعض مكونات الهوية المغربية، مثل البعد اليهودي والأمازيغي والإفريقي والمتوسطي، مقابل التركيز على البعد العربي الإسلامي والأندلسي، وهو ما أدى، بحسب رأيه، إلى تكريس تصورات غير مكتملة حول الهوية الجماعية.
وتعيد هذه الواقعة إلى الواجهة النقاش حول تدبير التعدد الثقافي والديني داخل الفضاءات العمومية، وحدود التعايش اليومي بين مختلف مكونات المجتمع المغربي، في سياق يتسم بحساسيات متجددة مرتبطة بإدارة التنوع الذي لم يعد مجرد إرث تاريخي، بل واقعاً حاضراً في الحياة العامة.
ويأتي هذا الجدل في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها المجال العمومي بفعل الانفتاح المتزايد للمملكة وتنامي الحركة السياحية، ما يجعل قضايا التعايش والاندماج بين الروافد الثقافية والدينية المختلفة موضوع اختبار دائم، يفرض مقاربة أكثر شمولاً للهوية الوطنية بعيداً عن التفاعلات الظرفية.

تعليقات