مئات التقنيين العاطلين مقابل خصاص حاد في الإسعاف.. من المسؤول؟

لم يعد اختلال التوازن بين التكوين والتشغيل مجرد إشكال نظري في السياسات العمومية، بل تحول إلى واقع ملموس يكشفه بوضوح ملف تقنيي الإسعاف بالمغرب. ففي وقت يتصاعد فيه الطلب على خدمات التدخل الاستعجالي، تتكدس كفاءات مؤهلة خارج أسوار المنظومة الصحية، في صورة تعكس مفارقة صارخة بين العرض البشري المتاح وحاجيات المرفق العمومي.
هذا التناقض برز بقوة تحت قبة البرلمان، حيث أثارت النائبة البرلمانية إكرام الحناوي، عن فريق التقدم والاشتراكية بمجلس النواب، ملف بطالة تقنيي الإسعاف، موجّهة أسئلة مباشرة إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي. وكشفت المعطيات المقدمة أن ما يقارب 400 تقني إسعاف يوجدون في وضعية بطالة، رغم خضوعهم لتكوين متخصص دام سنتين داخل مؤسسات تابعة للوزارة، ما يضع جدوى التخطيط القطاعي موضع مساءلة.
المفارقة لا تقف عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى واقع يومي يعيشه المواطن، خاصة في المناطق النائية والطرق السيارة، حيث يستمر الخصاص في خدمات الإسعاف والتدخل السريع. وبينما تفتقر العديد من سيارات الإسعاف إلى أطر مؤهلة قادرة على التعامل مع الحالات الحرجة، يظل خريجو هذا التخصص خارج دوائر الإدماج، في مشهد يثير تساؤلات عميقة حول نجاعة تدبير الموارد البشرية في قطاع حيوي.
وفي هذا السياق، لم تكتف المساءلة البرلمانية بعرض الوضع القائم، بل دفعت نحو استجلاء الرؤية المستقبلية للوزارة بشأن إدماج هذه الفئة. إذ تم التركيز على ضرورة بلورة إجراءات عملية تضمن توظيف الكفاءات المتاحة، وتعزيز منظومة الإسعاف والنقل الصحي، بما ينسجم مع حاجيات المواطنين ويستثمر في رأس المال البشري المؤهل.
ويضع هذا الملف وزارة الصحة والحماية الاجتماعية أمام اختبار حقيقي، يتعلق بمدى قدرتها على تحويل التكوين إلى رافعة للتشغيل، بدل أن يتحول إلى مسار معلق بين الشهادة والبطالة. فاستمرار تعطيل مئات التقنيين، مقابل خصاص قائم في خدمات الطوارئ، لا يعكس فقط خللاً في التدبير، بل يطرح كلفة إنسانية مباشرة، حيث قد تكون دقائق الانتظار الفاصلة في حوادث السير أو الحالات الحرجة سبباً في فقدان أرواح كان بالإمكان إنقاذها بكفاءة جاهزة تنتظر فقط فرصة الاندماج.

تعليقات