اتهامات بانعدام الشفافية وتدقيق رقابي يضعان تسيير المكتب الوطني للصيد البحري تحت المجهر

يعيش المكتب الوطني للصيد البحري هذه الأيام على وقع جدل متصاعد يلامس صميم طريقة تدبيره للصفقات العمومية. ففي الوقت الذي تتواتر فيه الأنباء حول خلاصات أولية لعملية افتحاص أنجزها المجلس الأعلى للحسابات، تتقاطع هذه المعطيات مع مراسلة احتجاجية رسمية وجّهها مهندس معماري إلى جهات عليا ومنابر إعلامية. المهندس، الذي سبق له أن شارك في إحدى المسابقات المرتبطة بالمكتب، سجّل بمرارة ما أسماه «انعدام الشفافية»، مما وضع المؤسسة في مواجهة مباشرة مع تساؤلات ملحّة حول نزاهة مساطرها.
ويتنامى هذا السجال في أوساط المهنيين والمتابعين للشأن البحري، حيث تتعالى الأصوات المنتقدة لأسلوب التسيير الذي تشرف عليه أمينة الفكيكي. فرئاسة هذه الأخيرة للمؤسسة امتدت لأكثر من ثلاثة عشر عاماً، وهي مدة كافية لطرح تقييم جدي للحصيلة. وخلال يوم الخميس، عبّر عدد من المتتبعين عن قناعتهم بأن هذه الفترة تفرض بالضرورة إعمال مسطرة تقييمية دقيقة، لقياس مدى احترام مبادئ الحكامة وتكافؤ الفرص في إسناد صفقات التهيئة وتدبير أسواق السمك، في نقاش يمس جوهر المرفق العام ويضع مصداقيته على المحك.
وتأتي هذه التطورات في سياق بالغ الحساسية، إذ يترقب الرأي العام صدور التقرير الرسمي للمجلس الأعلى للحسابات. وكشفت مصادر مطلعة لـ«المغرب تايمز» أن عملية الافتحاص رصدت اختلالات جوهرية في عدد من الملفات، في انتظار ما ستكشف عنه الوثيقة النهائية بشكل مفصل. وتكمن أهمية هذه التقارير في كونها لا تكتفي برصد الهفوات، بل تتحول إلى مرجعية أساسية لترتيب المسؤوليات وتحديد الآثار القانونية والمؤسساتية التي قد تطال هياكل التدبير داخل هذه المؤسسة الحيوية.
وفي هذا الإطار المشحون، لعبت المراسلة التي بادر بها المهندس المعماري دور الشرارة التي فجّرت الوضع. فالوثيقة، التي وُزعت على نطاق واسع وشملت هيئات وطنية ومنابر إعلامية، لم تقتصر على التعبير عن استياء شخصي، بل قدّمت مؤشرات وُصفت بـ«المقلقة» حول سلامة المساطر. وأشارت بوضوح إلى معطيات من قبيل قبول عروض أثمان غير مبرّرة، وتكرار ظهور الأسماء نفسها في صفقات متعددة، إلى جانب غياب معايير واضحة ومعلنة تتيح فهم كيفية انتقاء العروض الفائزة، وهو ما يتعارض مع روح المنافسة الشريفة.
وتعكس هذه المراسلة حالة احتقان بلغت مداها في أوساط المتعاملين مع المكتب، إذ إن وصولها إلى هذا العدد من الجهات الرسمية والصحافة يعكس تراجع الثقة في قنوات التواصل الداخلية للمؤسسة. إنها صرخة مدوّية تطالب بضمانات عاجلة لاحترام القانون، وتعبّر عن شعور متنامٍ لدى المقاولين والمهندسين بأن قواعد التنافس لم تعد متكافئة، وأن مبدأ تكافؤ الفرص في الصفقات العمومية بات مهدّداً، بما ينعكس سلباً على مصداقية العلاقة التعاقدية برمتها.
وهكذا يجد المكتب الوطني للصيد البحري نفسه في قلب عاصفة متصاعدة، خلال مرحلة مفصلية لا تحتمل التردد أو الصمت. وبين ضغط الرأي العام المهني وثقل المسؤولية الملقاة على عاتق جهاز الرقابة المالية العليا، تبدو المؤسسة مطالبة بتقديم أجوبة دقيقة وواضحة. إن استعادة الثقة تمرّ عبر ترسيخ الشفافية والحكامة الجيدة بشكل فعلي، لأن تدبير المال العام يقتضي وضوحاً كاملاً ومسؤولية لا تقبل التأويل.

تعليقات