وداعاً فخامة الرئيس.. من السردين بـ30 درهماً إلى ارتفاع المديونية بـ210 مليار درهم

بدا المشهد البرلماني خلال جلسة تقديم الحصيلة الحكومية أقرب إلى لوحة فنية متناقضة، تتقاطع فيها فرشاة البلاغة الرسمية مع نبض مواطن يقف يومياً في طوابير الخبز والأسماك والسردين. حاول الخطاب تقديم صورة وردية لإنجازات أربع سنوات، غير أن المقارنة الهادئة بين الأرقام المعروضة تحت القبة وما تكشفه دفاتر الحسابات اليومية للأسر تبرز هوة عميقة.
ولم تكن نقطة «ارتفاع الاستثمارات الأجنبية» سوى مثال واضح على ضرورة التمييز بين التدفقات الظرفية والإنجازات البنيوية، إذ إن ما تحقق من تدفقات مالية خارجية منذ سنة 2022 ظل مرتبطاً بقطاعات محددة مثل السيارات والطيران وأوراش كأس العالم 2030. وفي سياق الجلسة نفسها، برز انتقال الاستثمار العمومي من 230 مليار درهم إلى 380 مليار درهم، ما يعكس دينامية ظرفية ومركزة أكثر مما يعكس تحولاً هيكلياً مستداماً.
السردين بـ30 درهماً وغياب الأضاحي.. تشريح تعثر «الجيل الأخضر» في حضرة وزير فلاحة سابق
وعند الانتقال إلى عصب الحياة اليومية للمغاربة، تتبدى صورة أكثر قتامة مما ورد في متن الحصيلة. فالحديث عن تنزيل مخطط «الجيل الأخضر» يبدو أقرب إلى التغني بجمال الحديقة بينما الأشجار تلفظ أنفاسها، خصوصاً أن المسؤول الذي أمضى أربعة عشر عاماً وزيراً للفلاحة لم يقف على منصة التقييم ليقدم حصيلة «المخطط الأخضر» الذي أشرف عليه بنفسه.
والأدهى أن أزمة القطيع جعلت المغاربة في وضع استثنائي، حيث تعذر على عدد كبير منهم إقامة شعيرة عيد الأضحى خلال السنة الماضية، في سياق ارتفعت فيه أسعار اللحوم والخضر بشكل لافت، ما زاد من إنهاك القدرة الشرائية للفئات الهشة، مقابل استفادة واضحة لكبريات الضيعات الفلاحية.
وفي ما يتعلق بـ«الاقتصاد الأزرق»، ورغم تقديم أرقام تتحدث عن بلوغ القيمة المضافة 16 مليار درهم، فإن المعطيات المقابلة تشير إلى تراجع حجم الإنتاج السمكي بنسبة 15 في المائة، بالتوازي مع ارتفاع سعر السردين من 11 درهماً إلى ما يفوق 30 درهماً، في بلد يمتلك أكثر من 3500 كيلومتر من السواحل.
زيادة المديونية بـ210 مليار ووهم خلق 850 ألف منصب.. عندما تتناقض أرقام البرلمان مع بيانات المؤسسات الرسمية
أما باب النمو والتشغيل، فيكشف واحدة من أكثر الفجوات وضوحاً بين الخطاب السياسي والمعطيات الواقعية. فالوعد بتحقيق نمو في حدود 5 في المائة سنوياً لم يتجاوز في الواقع 3,2 في المائة، وهو مستوى لا ينسجم مع طموحات النموذج التنموي الجديد الذي يستهدف 6 في المائة.
وبلغة الأرقام المجردة، فإن الحديث عن خلق 850 ألف منصب شغل يصطدم بمعطى فعلي لا يتجاوز 94 ألف منصب خلال الولاية، في وقت ترتفع فيه بطالة الشباب بين 18 و25 سنة إلى 38 في المائة، بما يعكس ضغطاً اجتماعياً متزايداً.
وعلى المنوال نفسه، يبرز ملف المديونية العمومية، حيث يُقدَّم رقم في حدود 67,2 في المائة، بينما تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى ارتفاع النسبة إلى 79,2 في المائة سنة 2025، أي بزيادة تقارب 210 مليار درهم، في مؤشر يعكس ثقل الالتزامات المالية على المدى المتوسط.
تدخل ملكي لإنقاذ الصحة والتعليم.. وزلزال الذكاء الاصطناعي يهدد وظائف «الأوفشورينغ»
في محور التدبير القطاعي، تتجلى مفارقات الإصلاحات الكبرى التي ظلت في كثير من الأحيان أسيرة الوعود. فقد خرج قطاعا الصحة والتعليم، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للدولة الاجتماعية، إلى واجهة الاحتجاج عبر مسيرات جيل Z، ولم تُرفع ميزانيتهما إلا بعد تدخل ملكي مباشر بزيادة بلغت 140 مليار درهم، ما يعكس خللاً في ترتيب الأولويات.
أما الحديث عن تطوير شبكات الجيل الخامس «5G» وقطاع الأوفشورينغ، فيظل دون معطيات دقيقة حول حجم الاستثمارات الفعلية، في وقت يواجه فيه قطاع ترحيل الخدمات تهديداً متصاعداً بفقدان ما بين ثلث ونصف مناصب الشغل بفعل تسارع الذكاء الاصطناعي، وهو تحول تكنولوجي يعيد رسم خريطة سوق العمل عالمياً، حيث تبقى الأرقام وحدها الأكثر صلابة ووضوحاً: «Les chiffres sont têtus».
بين أمانة الملك وشعارات «جيل Z».. فجوة الخطاب السياسي وحدود المصداقية
تبقى عبارة رئيس الحكومة عن استيقاظه حاملاً أمانة الملك وملايين المغاربة محكومة بتناقضات واضحة بين خطاب سابق انتقد قرارات صعبة اتخذتها حكومات سابقة، وبين عجز عن اتخاذ إجراءات مماثلة رغم الإقرار بجدواها، ما يضع الخطاب في منطقة رمادية بين الممارسة والشعار.
وفي المقابل، تعكس مسيرات جيل Z والتفاعلات الواسعة على شبكات التواصل الاجتماعي مؤشرات مباشرة عن مستوى الاحتقان الاجتماعي ونبض الشارع. وبين طموح الإصلاح وضغط الواقع، تظل القرارات الصعبة جوهر المسؤولية السياسية، غير أن التردد في الحسم واستمرار الازدواجية في الخطاب يعمّقان فجوة الثقة، لأن الأرقام في نهاية المطاف لا تخضع للتأويل ولا تقبل المجاملة.

تعليقات