آخر الأخبار

بتعليمات ملكية.. إصلاح جهوي جديد يعيد رسم خريطة التنمية ويعزز استقلالية الجهات

يدشن المغرب اليوم تحولاً عميقاً في مسار الجهوية المتقدمة عبر صياغة تشريعية جديدة تلامس جوهر التدبير الترابي، وذلك عقب مصادقة المجلس الوزاري المنعقد بالرباط، برئاسة الملك محمد السادس، على مشروع قانون تنظيمي يغير ويتمم القانون رقم 111.14 المتعلق بالجهات. ويعكس هذا النص، الذي أعدته وزارة الداخلية، إرادة واضحة لتجاوز الاختلالات الهيكلية التي طبعت المرحلة السابقة، لا سيما على المستويين التقني والمالي، بما يعيد الاعتبار للجهة كفاعل محوري في جذب الاستثمار وتحقيق التنمية المستدامة.

ويأتي هذا التوجه في سياق تفعيل التعليمات الملكية الداعية إلى إرساء جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، القائمة على تثمين المؤهلات المجالية وتعزيز التضامن بين المجالات الترابية. ووفقاً لمذكرة المشروع التمهيدية، تتجه الحكومة، يوم الجمعة المقبل، إلى إحالة النص على البرلمان، مستندة إلى ثلاثة مرتكزات أساسية تروم تجويد آليات التنفيذ، وإعادة ضبط الاختصاصات، وتعزيز الموارد المالية. وفي هذا الإطار، يقترح المشروع تحولاً مؤسساتياً بارزاً يتمثل في تحويل الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع إلى شركات مساهمة خاضعة للقانون رقم 17.95، بما يتيح مرونة أكبر في التدبير وتسريعاً ملحوظاً في وتيرة الإنجاز مقارنة بالمساطر الإدارية التقليدية.

وعلى مستوى هندسة الاختصاصات، يتجه المشروع إلى تدقيق مهام الجهات وتوجيهها بشكل أكثر حسماً نحو دعم الاقتصاد المنتج وخلق فرص الشغل، مع إعادة تصنيف مجالات كالتنمية القروية والسياحة وحماية البيئة من اختصاصات ذاتية إلى اختصاصات مشتركة مع الدولة، بما يعزز التقائية السياسات العمومية ويرفع من نجاعتها. في المقابل، يمنح النص الجهات صلاحيات ذاتية واضحة في دعم الاستثمار ومواكبة المقاولات، وإعداد «المخطط المديري الجهوي للتنمية الرقمية»، فضلاً عن الاضطلاع بدور مركزي في إنجاز وصيانة الطرق غير المصنفة الرابطة بين الأقاليم. كما ينص على إرساء نظام للتكوين المستمر لفائدة المنتخبين، وتبسيط مساطر تقديم العرائض، وتعزيز التعاون البين-جهوي عبر إحداث «مجموعات الجهات».

أما على الصعيد المالي، فيحمل المشروع إجراءات نوعية تروم ترسيخ الاستقلالية المالية للمجالس الجهوية، باعتبارها شرطاً حاسماً لنجاح أي إصلاح ترابي. وتشمل هذه الإجراءات رفع الاعتمادات المرصودة لميزانيات الجهات بنسبة 20 في المائة، مع إقرار موارد جبائية قارة، من بينها 5 في المائة من حصيلة الضريبة على الشركات، و5 في المائة من الضريبة على الدخل، و20 في المائة من الرسوم على عقود التأمين. كما يكرس النص مبدأً إلزامياً يضمن وضوح الرؤية المالية، من خلال التنصيص على ألا يقل مجموع التحويلات السنوية من الدولة لفائدة الجهات عن 12 مليار درهم ابتداءً من سنة 2027.

ويرتقب أن يشكل هذا الإصلاح نقلة نوعية في مسار الجهوية المتقدمة، من خلال تمكين الجهات من أدوات تدبيرية أكثر نجاعة وموارد مستقرة، بما يسرّع تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الجهوية ويحد من الفوارق المجالية. كما يعزز المشروع شفافية التدبير عبر اعتماد مؤشرات دقيقة لقياس الأداء وربط المسؤولية بالمحاسبة، في انسجام مع الرؤية الاستراتيجية للدولة وتوجهاتها الكبرى في مجال الحكامة الترابية.

المقال التالي