في ظل أزمة مضيق هرمز.. تتربع إمدادات الفوسفاط المغربي على عرش بدائل الأمن الغذائي العالمي

لم يعد المشهد في أسواق الأسمدة العالمية يحتمل مزيداً من المفاجآت القاسية؛ فما كان، إلى وقت قريب، مجرد هواجس لدى كبار المستوردين، تحول اليوم إلى واقع ملموس يُلقي بثقله على موازين الإنتاج الزراعي، من سهول الأمريكتين إلى حقول أوروبا الشرقية. فقد تسببت سلسلة من الاضطرابات غير المسبوقة في الشرق الأوسط في إعادة تشكيل خريطة الإمدادات الدولية، ورفع منسوب القلق بشأن قدرة الفلاحين على الوصول إلى الكميات الكافية من المدخلات الأساسية، لتبدأ معها أسعار اليوريا والكبريت رحلة صعود حادة تهدد بتقويض ركائز الأمن الغذائي في عدد من المناطق الأكثر هشاشة حول العالم.
وفي صميم هذه العاصفة الجيوسياسية، يقع مضيق هرمز؛ ذلك المعبر البحري الذي لا يتجاوز عرضه بضع عشرات من الكيلومترات، لكنه يختنق يومياً بكميات هائلة من الطاقة والتجارة العالمية. وتؤكد مصادر ملاحية أن حركة الناقلات فيه شهدت، يوم الجمعة، تباطؤاً قياسياً بالتزامن مع ارتفاع منسوب التحذيرات الأمنية، وهو تباطؤ يكتسي أهمية قصوى، لأن هذا الممر الحيوي يؤمن عبور قرابة 30% من إجمالي صادرات الأسمدة النيتروجينية في العالم. ويعني ذلك أن أي خلل، ولو بسيط، في توقيت عبوره أو ارتفاع كلفة التأمين على حمولاته، يتحول تلقائياً إلى فاتورة باهظة يتحملها المزارع في أقصى بقاع الأرض.
ولم تتوقف تداعيات هذه الهزة عند الجغرافيا المائية، بل تسربت إلى قلب المنشآت الصناعية العملاقة في منطقة الخليج العربي؛ حيث توقفت، أو خُفضت، وتيرة الإنتاج في وحدات حيوية متخصصة في معالجة الأمونيا واليوريا والكبريت. وقد دفع ذلك عمالقة التصدير، في مقدمتهم المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، إلى مراجعة سياساتهم التصديرية بشكل عاجل، وإعطاء الأولوية لتلبية الطلب الداخلي والإقليمي الملح. خطوة مفهومة في إطار حماية الأمن القومي لكل دولة، لكنها، في المقابل، سحبت من الأسواق الحرة كميات ضخمة كانت تروي ظمأ محاصيل أساسية في قارات بعيدة، لتتسع الفجوة بين العرض والطلب على نحو ينذر بموسم زراعي صعب.
وإذا كانت الجبهة الخليجية قد أطبقت على أنفاس الإمدادات، فإن الجبهة الصينية لم تكن أقل ضغطاً على ديناميكية السوق العالمية؛ فقد واصلت بكين تمسكها بسياج الحماية التجارية، عبر فرض قيود مشددة على تدفق الأسمدة إلى الخارج، بهدف تأمين المخزون الاستراتيجي لسكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة أولاً. ورغم أن هذا التوجه يُعد إجراءً سيادياً مشروعاً، فإنه أضاف طبقة جديدة من التعقيد إلى أزمة توشك أن تخرج عن السيطرة، ليغدو البحث عن مصدر إمداد «موثوق» و«آمن» مطلباً وجودياً للاقتصادات الزراعية الساعية إلى ضمان استمرارية الإنتاج.
وفي خضم هذا الفراغ الذي خلّفه تراجع الحضور التقليدي لكبار المنتجين، تنتصب المملكة المغربية كصخرة صلبة في وجه أمواج الاضطراب، مستندة إلى ثروة جيولوجية استثنائية تتمثل في امتلاكها نحو 70% من الاحتياطيات العالمية المعروفة من الفوسفاط، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي خارج نطاق الأعاصير الجيوسياسية الإقليمية. وقد مكّن ذلك الصادرات المغربية من التدفق بسلاسة وثبات نحو الوجهات الكبرى الباحثة عن الاستقرار، في الولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية وأوروبا ومختلف بلدان إفريقيا، لتعيد ضبط إيقاع الأسواق الدولية وتؤكد أن فوسفاط المملكة لم يعد مجرد مادة خام تُباع وتُشترى، بل تحول إلى أداة سيادية ناعمة تضمن استمرارية الحصاد العالمي في زمن تتعثر فيه البدائل وتضطرب فيه خطوط الإمداد.

تعليقات