آخر الأخبار

عندما تفرض المصالح إيقاعها.. ترامب يمتنّ لإيران على خطوة “هرمز”

في منعطف دبلوماسي خالف أنماط الخطاب التصعيدي السائد بين واشنطن وطهران، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب بتعبير نادر عن الامتنان تجاه الجمهورية الإسلامية، في سياق يرتبط بأمن الممرات المائية الدولية وضمان تدفق إمدادات الطاقة دون عراقيل. لم تكن العبارة التي خطّها ترامب مجرد إشارة عابرة في فضاء افتراضي مزدحم، بل بدت أقرب إلى اعتراف ضمني بأن إيقاع المصالح الاقتصادية العالمية قادر على فرض لحظة توافق مؤقت بين عاصمتين طالما تقاسمتا فصولاً طويلة من العداء والمواجهة المباشرة.

وقد تجسّد هذا الموقف الاستثنائي اليوم الجمعة، حين دوّن ترامب على منصته «تروث سوشال» منشوراً مقتضباً يحمل نبرة ارتياح واضحة، أشار فيه إلى أن طهران أكدت انسيابية الحركة الملاحية في أحد أهم الممرات البحرية على الإطلاق. وجاء في التدوينة أن إيران أعلنت أن «مضيق هرمز» بات مفتوحاً بالكامل وجاهزاً لعبور السفن دون معوقات تُذكر، وهو إعلان ختمه الرئيس الأميركي السابق بكلمة شكر قصيرة، لكنها ذات دلالة عميقة في سياق التوازنات الحساسة في الخليج العربي.

وتزامنت هذه التدوينة مع تصريح مماثل أدلى به وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اليوم ذاته، إذ حسم الجدل حول وضع الملاحة في المضيق الاستراتيجي، مؤكداً أن الممر المائي أصبح متاحاً أمام جميع أنواع الناقلات والسفن التجارية دون تمييز أو قيود. وشدد عراقجي على أن هذا المعطى العملياتي سيظل سارياً طوال المرحلة المتبقية من اتفاق وقف إطلاق النار المعمول به حالياً على الساحة اللبنانية المضطربة، في إشارة إلى وجود هامش تهدئة قابل للبناء عليه.

ويكتسب هذا الشكر الرئاسي أهميته من طبيعة الموقع الذي يستهدفه؛ إذ يُصنّف «مضيق هرمز» أحد أكثر الممرات المائية حيوية في خريطة الطاقة العالمية، كونه المنفذ البحري لنحو خمس إمدادات النفط المتداولة يومياً في الأسواق الدولية. ولطالما شكّل الحديث عن إغلاقه أو عرقلة الملاحة فيه ورقة ضغط إيرانية متكررة على وقع الأزمات السياسية والأمنية، ما يجعل أي إعلان بشأن تأمينه حدثاً يحظى بمتابعة دقيقة من صناع القرار في العواصم الكبرى، نظراً لانعكاساته المباشرة على استقرار الاقتصاد العالمي الهش.

ويبرز في هذا السياق التناقض اللافت بين لغة الامتنان التي استخدمها ترامب اليوم وسياسة «الضغط الأقصى» التي طبقتها إدارته سابقاً تجاه طهران، والتي بلغت حد الانسحاب من الاتفاق النووي. هذه الإشارة، وإن بدت محصورة في إطار براغماتي ضيق يرتبط بحركة الملاحة، تكشف أن توازنات الجيوسياسة والاقتصاد قادرة على إعادة ضبط نبرة الخطاب بين الخصوم التقليديين، حين تفرض المصالح إيقاعها وتُعيد ترتيب الأولويات.

المقال التالي