اضطراب إمدادات الخليج يدفع إسبانيا لتعزيز واردات الغاز الروسي بشكل غير مسبوق

لم تعرف الموانئ الإسبانية خلال العقدين الأخيرين موجة استيراد من روسيا بالثقل الذي سجلته بيانات «إيناغاز»، المشغلة لنظام الغاز، خلال شهر مارس المنصرم. فقد بلغ مجموع الشحنات الواصلة من موسكو إلى السوق الإيبيرية 9,807 غيغاواط/ساعة، وهو مستوى تاريخي غير مسبوق في التبادلات الطاقية بين البلدين، متجاوزاً بفارق واضح ذروة عام 2023، حين كانت أوروبا تعيش تحت وطأة أزمة أسعار حادة. ويكتسب هذا الرقم دلالته من سياق دولي بالغ التعقيد، إذ يتزامن مع دخول العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا عامها الرابع، ومع اضطراب متزايد في إمدادات الطاقة القادمة من الخليج.
ولفهم دوافع هذا التدفق اللافت، تبرز بالضرورة الهزة التي عرفتها الشبكة الكهربائية الإسبانية يوم الاثنين، والتي تسببت في انقطاع مفاجئ للتيار. وقد خلّفت الحادثة حالة قلق داخل شركة «ريد إليكتريكا»، ما دفعها إلى اعتماد تشغيل مُحسَّن لمحطات الدورة المركبة العاملة بالغاز، وهو إجراء احترازي انعكس مباشرة على الطلب الداخلي الذي قفز بنسبة 46.8 بالمئة خلال شهر مارس وحده. وبالتوازي مع ذلك، قرأ المتعاملون الأوروبيون هذا الاندفاع باعتباره سباقاً مع الزمن لاقتناص الشحنات المتاحة قبل دخول الحظر الأوروبي على السوق الفورية حيّز التنفيذ مع نهاية شهر أبريل.
ولا تقف خريطة المصالح عند حدود الطلب الداخلي، إذ تحولت إسبانيا بفعل بنيتها التحتية المتقدمة إلى خزّان غاز عائم لكبار الفاعلين الدوليين. فبفضل ست محطات متطورة لإعادة تحويل الغاز الطبيعي المسال في برشلونة وقرطاجنة وهويلفا وبلباو وساغونتو وموغاردوس، أصبحت شبه الجزيرة الإيبيرية منصة تخزين استراتيجية لا تقتصر على تلبية الاحتياجات المحلية، بل تمتد إلى المضاربة على تقلبات الأسعار في سوق «تي تي إف» الهولندية. وتشير مصادر مطلعة إلى أن تراجع الإمدادات القادمة من قطر والإمارات، بفعل التوترات التي طالت البنية التحتية في الخليج، ساهم في تعزيز جاذبية الغاز الروسي، الذي يُعرض بأسعار تنافسية في ظل تشديد العقوبات الغربية على عدد من الزبائن التقليديين لموسكو.
وعلى مستوى الأسواق، كانت مؤشرات «تي تي إف» قد سجلت قفزة حادة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية، إذ ارتفعت الأسعار من عتبة 30 يورو إلى نحو 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة، قبل أن تستقر في حدود 42 يورو. هذا الاضطراب دفع الحكومات الأوروبية إلى إعادة تقييم سياساتها الطاقية، حيث خففت واشنطن مؤقتاً بعض القيود على النفط الروسي للحد من تداعيات ارتفاع الأسعار المرتبط بالأزمة في طهران، في حين أقرت مدريد مرسوماً ملكياً عاجلاً خفّض ضريبة القيمة المضافة على البنزين والغاز والكهرباء إلى 10 بالمئة ضمن حزمة دعم بلغت 5 مليارات يورو.
وفي خضم هذا المشهد الضبابي، تتحرك الدبلوماسية الإسبانية نحو تنويع مصادرها عبر مفاوضات متقدمة مع الجزائر لرفع سعة خط أنابيب «ميدغاز» بنسبة 10 بالمئة، علماً أن الجزائر والولايات المتحدة تتصدران حالياً قائمة الموردين الرئيسيين. غير أن بيانات شهر مارس تشير إلى أن روسيا نجحت في تعزيز حضورها بشكل لافت، لتستحوذ على نحو ربع الواردات الإسبانية، مستفيدة من ثغرات الجدول الزمني للعقوبات الأوروبية الذي يسمح باستمرار بعض التدفقات إلى غاية عام 2027. وبين تقلبات السوق وتعثر مسارات التهدئة في مناطق النزاع واستمرار استهداف منشآت الطاقة، تبقى معادلة الإمدادات رهينة هشاشة جيوسياسية مرشحة لرفع جديد في الأسعار، قد يطال بشكل مباشر كلفة وقود الديزل ووقود الطائرات.

تعليقات