آخر الأخبار

الغازوال يلهب جيوب المغاربة من جديد ومجلس المنافسة في سبات عميق

تستقبل محطات الوقود في مختلف جهات المملكة، اليوم الخميس، موجة غلاء جديدة في سعر الغازوال، يصفها مراقبون بأنها «فاتورة ملغومة» قادمة من خلف دخان المعارك الدائرة في الشرق الأوسط. وبينما تنشغل الشاشات العالمية بتتبع مسار القذائف، ينشغل السائق المغربي بمراقبة لوحة أسعار تتغير فجأة مع دقات منتصف الليل، حاملة معها عبئاً إضافياً يثقل كاهل ميزانية الأسر والناقلين المهنيين على حد سواء.

وتفيد مصادر مهنية موثوقة بأن ساعة الصفر لهذا التعديل المرتقب حلّت مع الدقيقة الأولى من صباح اليوم الخميس، حيث يُرتقب أن تكون مضخات الغازوال قد سجلت قفزة تقارب درهماً كاملاً في كل لتر. وبهذا التصعيد، يُصبح السعر الذي كان بالأمس يترنح عند عتبة 14,5 درهماً مرشحاً بقوة لتجاوز حاجز 15,5 درهماً في أغلب نقاط التوزيع بالمدن المغربية الكبرى، في مشهد يُعيد إلى الأذهان موجات القلق التي طبعت أسواق الطاقة خلال الأسابيع الماضية.

ويبدو أن الأصداء القادمة من مسرح التوترات الجيوسياسية في إيران لم تعد مجرد عناوين عابرة في نشرات الأخبار، بل تحولت إلى «رسوم إضافية» تُضاف مباشرة إلى فاتورة المواطن. فعلى إيقاع تبادل الضربات واحتدام الأزمة الإقليمية، قفزت أسعار المواد المكررة في الأسواق المرجعية قفزات عنيفة، لتجد طريقها سريعاً نحو الأسواق المحلية في رحلة لا تتجاوز مدتها بضعة أيام، وكأن سقف الدار البيضاء لم يعد يفصله عن طهران سوى شاشة تداول إلكترونية واحدة.

وفي توقيت لا يخلو من طرافة مريرة، يأتي هذا الزلزال السعري بعد أيام معدودة من إصدار مجلس المنافسة لمذكرته الدورية حول تطور الأسعار، والتي غطت الفترة الممتدة من 16 مارس إلى غاية فاتح أبريل. وقد خلصت معطيات المؤسسة التي يترأسها أحمد رحو إلى نتيجة تُشعر المستهلك بشيء من «الامتنان» المريب، حيث أكدت أن الزيادة التي عرفتها المضخة لم تتجاوز 1,72 درهم في المتوسط، في مقابل صعود بلغ 2,18 درهم في سعر الغازوال بالأسواق الدولية، ما يعني أن المواطن لم يتحمل سوى 79 في المائة من موجة الغلاء، بينما ظل الهامش المتبقي «ديناً مؤجلاً» بفارق 0,46 درهم.

ورغم هذه القراءة التي قد توحي بوجود نوايا «إحسانية» من طرف الموزعين، فإن مجلس المنافسة لم يُخفِ انزعاجه من ظاهرة باتت تُلازم السوق الوطنية كلزمة موسيقية ثابتة، وهي ذلك التطابق الزمني شبه المقدس في مواعيد مراجعة الأسعار. فقد أشار التقرير صراحة إلى استمرار هذا «التوافق التلقائي» العجيب، مؤكداً أنه، وإن كان يخلو من مخالفات قانونية صريحة تُجرمه حالياً، فإنه يُجسد إرثاً تنظيمياً ثقيلاً قادماً من زمن التحرير التدريجي للأسعار، حين كانت التغييرات تُنجز حصراً في فاتح الشهر ومنتصفه.

ولم يقف هذا السيناريو عند حدود الغازوال، بل امتد ليشمل البنزين الذي أظهر سلوكاً معاكساً تماماً؛ ففي الوقت الذي تحمّل فيه الغازوال جزءاً فقط من الصدمة الخارجية، بالغت تسعيرة البنزين المحلية في رد الفعل، إذ ارتفعت بـ 1,53 درهم مقابل زيادة لم تتجاوز 1,37 درهم في الأسعار الدولية المرجعية. وقد فسرت هيئة أحمد رحو هذه المفارقة بسياسة «مقاصة داخلية» تجري في كواليس الشركات لتوزيع الأعباء بين المنتجات، مدعومة بكون البنزين لا يُمثل سوى 13 في المائة من مبيعات القطاع، مما يجعله «كبش فداء» حسابياً لمعادلات الربح والخسارة.

وعلى واجهة الأسواق العالمية، يواصل خام برنت تحليقه قريباً من سقف 95,93 دولاراً للبرميل خلال جلسات تداول الأربعاء، فيما تظل أعين المتعاملين شاخصة نحو تطورات الأزمة الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على شرايين الإمداد البحري. وهنا يبرز السؤال الذي يطرحه مجلس المنافسة بإلحاح هادئ: ما دام العالم يعيش على وقع صدمات يومية غير مرتبطة برزنامة بشرية، فإلى متى ستظل أسعارنا رهينة لجدول مواعيد نصف شهري جامد؟ إنها دعوة لم تصل إلى حد التهديد، لكنها تُشبه صيحة في وادٍ تسوده عقلية الترقب الجماعي، حيث تنتظر الشركات بعضها البعض لتحريك أسعارها وكأنها فرقة موسيقية تعزف سمفونية الغلاء على نوتة واحدة.

المقال التالي