إقليم كلميم.. نهب وتخريب وتنقيب غير مشروع يطال المآثر التاريخية

وجّهت النائبة البرلمانية عن حزب التجمع الوطني للأحرار، نادية بوعيدة، سؤالاً كتابياً إلى وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد المهدي بنسعيد، سلّطت من خلاله الضوء على ما وصفته بعبث واضح بالمخزون الأثري لإقليم كلميم، مثيرةً بذلك نقاشاً واسعاً حول وضعية الحماية المؤسساتية للتراث المحلي. وتضمنت المراسلة، التي اطّلع موقع «تيلكيل عربي» على نسخة منها، توصيفاً دقيقاً لحالة الاستباحة التي تطال مواقع مصنفة ضمن الذاكرة الحضارية للجنوب المغربي، حيث تتقاطع آثار القوافل الصحراوية مع نقوش ما قبل التاريخ ومبانٍ تعود إلى قرون خلت.
وأكدت البرلمانية، في معرض سؤالها اليوم، أن إقليم كلميم يختزن بين تضاريسه الوعرة وواحاتِه الممتدة رصيداً ثقافياً استثنائياً يروي تعاقب حضارات متعددة على أرض واحدة. وأشارت، يوم الأربعاء، إلى أن هذه الشواهد لا ترتبط بفترة زمنية محددة، بل تشمل موقع «نول لمطة» بجماعة أسرير، الذي ظل لقرون مركزاً تجارياً مهماً ينظم حركة التبادل عبر الصحراء، إلى جانب موقع النقوش الصخرية في «أدرار زرزم» بجماعة إداي، حيث رسومات صامدة تعود إلى فترات سحيقة من التاريخ البشري، فضلاً عن «كهف لحمام» بآيت بوفلن، الذي يرجّح الباحثون أنه يضم بقايا أثرية ذات أهمية علمية كبرى لم تخضع بعد لدراسة منهجية معمقة.
وفي تفصيلها لأبعاد هذا الغنى المهدّد، نبّهت بوعيدة إلى عناصر تراثية فريدة تميّز الإقليم عن غيره من مناطق المغرب. وذكرت من بينها المخازن الجماعية المعروفة باسم «إكودار»، باعتبارها نموذجاً معمارياً يعكس ذكاءً محلياً في البناء والتنظيم الاجتماعي، إلى جانب معالم ثقافية وطبيعية تحمل عبء التاريخ، وفي مقدمتها «دار السلطان» العتيقة بتغجيجت. وأضافت أن المنطقة تحتضن أيضاً بنايات تعود إلى فترات تاريخية مختلفة، بما في ذلك إرث الحقبة الكولونيالية وتراث عبري يعكس تعددية ثقافية راسخة، ما يجعل من النسيج العمراني لكلميم موسوعة حجرية مفتوحة على عصور متداخلة، أصبحت اليوم عرضة للتآكل والعبث غير المنظم.
غير أن هذه الثروة التراثية تواجه، بحسب المراسلة البرلمانية، تهديداً متصاعداً قد يفضي إلى اندثار معالمها من الخريطة الأثرية الوطنية. وأبرزت بوعيدة أن أعمال التخريب المتعمد والطمس تستهدف بالأساس النقوش الصخرية في مواقع مثل «أدرار زرزم»، حيث تنشط عمليات تنقيب غير مشروع بحثاً عن لقى أثرية أو كنوز متخيلة تحت الصخور. وإلى جانب هذا الاعتداء المباشر، حذّرت من هشاشة بنيوية متفاقمة تطال عدداً من المعالم، وفي مقدمتها «دار السلطان» بتغجيجت، في ظل غياب برامج كافية للتأهيل والتثمين، وضعف آليات المراقبة، خصوصاً في المناطق الجبلية والقروية التي يصعب فيها ضبط هذه التجاوزات.
وطالبت النائبة في ختام مراسلتها بتوضيح الإجراءات الاستعجالية التي تعتزم الوزارة اتخاذها لوقف نزيف هذا التراث، وتعزيز آليات المراقبة والتنسيق الميداني مع الجماعات الترابية وفعاليات المجتمع المدني، ضمن مقاربة تشاركية تضمن حماية هذا الإرث. كما دعت إلى الكشف عن البرامج المعتمدة أو المرتقبة لتأهيل المواقع الأثرية بالإقليم، بما في ذلك المغارات والمسارات التجارية التاريخية والقصبات التقليدية، وسبل إدماجها في دينامية التنمية الثقافية والسياحية المحلية، بما يضمن صونها من العبث والاندثار ويؤمّن استمراريتها للأجيال المقبلة.

تعليقات