آخر الأخبار

ضوابط مالية جديدة للعقوبات البديلة تحدد تعريفة المراقبة الإلكترونية وتسند التحصيل إلى الخزينة العامة

أضحت آلية العقوبات البديلة في المغرب أكثر دقة ووضوحاً من الناحية المالية، بعدما وضع قرار وزاري مشترك سقفاً ملزماً للمصاريف التي يتحملها المحكوم عليهم بعقوبة المراقبة الإلكترونية. وقد جاء هذا التحديد ليُنهي حالة من الفراغ التنظيمي المرتبط بكلفة تشغيل «السوار الإلكتروني»، واضعاً رقماً واضحاً لا يقبل التأويل يُحدد في سبعين درهماً كحد أقصى عن كل يوم تنفيذ فعلي للعقوبة. ويعكس هذا القرار، الذي وقّعه وزير العدل عبد اللطيف وهبي والوزير المنتدب المكلف بالميزانية فوزي لقجع، تحولاً نوعياً في مقاربة الدولة لتدبير بدائل العقوبات السالبة للحرية، حيث أصبحت هذه الآلية مؤطرة بمنطق مالي منظم يستفيد منه النظام العمومي وتُدبره الخزينة العامة للدولة.

واستناداً إلى ما نُشر في الجريدة الرسمية اليوم عدد 7496، فإن هذا القرار يُفعّل مقتضيات المادة 33 من المرسوم التنظيمي رقم 2.25.386، وقد صدر بشكل رسمي اليوم الثلاثاء ليشكل مرجعاً قانونياً واضحاً للمصالح المكلفة بتحصيل الديون العمومية. كما أسند النص مهمة استيفاء مبلغ السبعين درهماً اليومي، بموجب مقرر قضائي، إلى الخزينة العامة، في خطوة تروم ضبط آليات التحصيل وتوحيد مسار توجيه العائدات المالية نحو ميزانية الدولة. وتوزعت مسؤولية التنفيذ بين وزير العدل والوزير المنتدب المكلف بالميزانية والمندوب العام لإدارة السجون وإعادة الإدماج، وفق مجالات اختصاص كل طرف.

وتتداخل هذه الضوابط المالية مع الدينامية العامة التي أفرزها تفعيل نظام العقوبات البديلة على أرض الواقع. فمنذ دخول هذا الورش حيز التنفيذ، عرفت المحاكم المغربية حركية ملحوظة في إصدار أحكام تستبدل العقوبات الحبسية بتدابير بديلة ذات طابع إصلاحي. وخلال الفترة الممتدة من 22 غشت إلى 11 فبراير، بلغ مجموع العقوبات البديلة الصادرة 1392 عقوبة، ما ساهم بشكل مباشر في تخفيف الضغط على المؤسسات السجنية، مع الإفراج عن 782 معتقلاً كانوا يقضون عقوبات سالبة للحرية أو في وضعية انتظار التنفيذ.

وتُظهر تفاصيل هذه الأحكام تنوعاً واضحاً في بدائل العقوبة المعتمدة قضائياً. فقد تصدرت الغرامة اليومية القائمة بـ626 حالة، تلتها عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة بـ466 حالة، بينما لجأ القضاء إلى تقييد بعض الحقوق أو فرض تدابير رقابية أو علاجية وتأهيلية في 285 حالة. وفي المقابل، لم تُسجل عقوبة «السوار الإلكتروني» سوى 15 حالة فقط، ما يعكس محدودية استخدامها إلى حدود المرحلة الحالية، وارتباطها بمتطلبات تقنية وتنظيمية ما تزال في طور التطوير.

وعلى مستوى التنفيذ، توصلت الجهات المختصة بما مجموعه 1054 مقرراً تنفيذياً نهائياً، جرى تنفيذ 838 منها بشكل كامل، مقابل 89 مقرراً لا تزال في طور التعثر لأسباب إجرائية. كما سُجلت 50 حالة امتناع صريح عن التنفيذ، إلى جانب 35 حالة إخلال بالالتزامات المقررة. وقد برزت الغرامة اليومية كأكثر التدابير التي عرفت امتناعات، بـ37 حالة، تلتها عقوبة العمل لأجل المنفعة العامة بـ22 حالة إخلال.

وتكشف المعطيات التفصيلية عن تعقيد الوضعيات القانونية للمحكوم عليهم، وهو ما يفسر التباين في وتيرة التنفيذ. فقد صدرت أحكام في حق 43 شخصاً وهم في حالة سراح، بينما استفاد 22 معتقلاً من الإفراج قبل صدور المقرر التنفيذي. كما تم تسجيل 9 حالات لمعتقلين كانوا في مرحلة انتظار بلوغ منتصف العقوبة الحبسية، إضافة إلى 3 حالات اعتقال احتياطي على ذمة قضايا أخرى حالت دون التفعيل الفوري للعقوبة البديلة. وفي سياق متصل، سجلت عقوبات تقييد الحقوق 13 حالة امتناع و5 حالات إخلال، بينما ارتبطت 7 حالات إخلال بارتكاب أفعال جرمية جديدة خلال فترة سريان التدبير البديل.

أما فيما يخص عقوبة القيد الإلكتروني، موضوع القرار الوزاري الجديد، فلم تُسجل أي حالة امتناع عن ارتداء «السوار الإلكتروني»، مقابل حالة إخلال واحدة فقط. ويُفسر هذا المعطى بكون عدد المستفيدين من هذه العقوبة ما يزال محدوداً، إضافة إلى فعالية المراقبة التقنية التي تفرضها هذه الآلية على سلوك المحكوم عليهم. كما أن تحديد تعريفة مالية واضحة في حدود سبعين درهماً يومياً يُرسخ شفافية أكبر في تطبيق هذا التدبير، ويعزز ثقة القضاء في اعتماده كبديل عملي للعقوبات السالبة للحرية القصيرة.

وتشير مجمل المؤشرات إلى أن المغرب يمضي نحو ترسيخ نموذج جديد في السياسة العقابية، يقوم على تقليص الاعتماد على السجن وتوسيع بدائل الإصلاح داخل المجتمع. وتعكس الأرقام المعلنة، سواء من حيث عدد المستفيدين أو نسب التنفيذ والإخلال، مساراً إصلاحياً يتقدم تدريجياً رغم ما يرافقه من تحديات تقنية وتنظيمية. ويظل نجاح هذا التحول رهيناً بتقوية آليات المتابعة القضائية وتطوير البنية التقنية، بما يضمن فعالية أكبر لـ«السوار الإلكتروني» كأداة لإعادة الإدماج وليس مجرد إجراء رقابي ذي كلفة مالية.

المقال التالي