آخر الأخبار

محكمة باريس تدين “لافارج” بتمويل الإرهاب في سوريا وتفرض غرامات قياسية

أسدلت محكمة باريس اليوم الستار على واحدة من أعقد القضايا في سجل العدالة الفرنسية، بإدانتها الصريحة لشركة الإسمنت العملاقة «لافارج» بتهمة تمويل جماعات متطرفة خلال الحرب في سوريا، بهدف ضمان استمرار تشغيل مصنعها في ظروف أمنية شديدة الخطورة. وخلصت هيئة المحكمة إلى أن الإدارة السابقة للشركة انخرطت في آليات مالية غير قانونية عبر فرعها «لافارج سيمنت سوريا»، حيث جرى تحويل مبالغ مالية كبيرة إلى تنظيم «الدولة الإسلامية» وفصائل مسلحة أخرى، مقابل تعهدها بعدم استهداف منشأة الجلابية الصناعية شمال البلاد، وهو ما يمنح هذا الحكم بعداً غير مسبوق في مساءلة الشركات متعددة الجنسيات.

وفي سياق متصل، كشفت معطيات الملف أن هذه التحويلات لم تكن معزولة أو ظرفية، بل استمرت خلال عامي 2013 و2014، في مرحلة اتسمت بتصاعد نفوذ التنظيمات المتطرفة داخل الأراضي السورية. وخلال جلسة النطق بالحكم، شددت رئيسة المحكمة القاضية إيزابيل بريفوست-ديسبريز على أن تلك المدفوعات لم تكن مجرد رسوم عبور لضمان السلامة، بل مثلت مورداً مالياً مهماً ساهم في تعزيز سيطرة التنظيمات المسلحة على موارد استراتيجية، وهو ما يضفي على القضية بعداً يتجاوز المخالفات الاقتصادية إلى التأثير المباشر في موازين الصراع.

وتعزز هذا الطرح القضائي بالإشارة إلى أن التدفقات المالية التي وفرتها الشركة، بشكل مباشر أو غير مباشر، ساهمت في تمكين هذه التنظيمات من توسيع نطاق عملياتها، بما في ذلك التخطيط لهجمات استهدفت دولاً أوروبية. وبهذا المعنى، لم تعد القضية محصورة في إخلال بقواعد الامتثال المؤسسي، بل امتدت لتلامس قضايا الأمن القومي، ما جعل الحكم الصادر يحمل رسائل واضحة بشأن حدود المسؤولية القانونية للشركات في مناطق النزاعات المسلحة.

وعلى مستوى العقوبات، طالت الأحكام أبرز المسؤولين السابقين في المجموعة، حيث قضت المحكمة بسجن الرئيس التنفيذي الأسبق برونو لافون لمدة ست سنوات نافذة مع الإفراج الفوري، فيما أُدين المدير الإداري السابق كريستيان هيرو بالسجن خمس سنوات. كما ألزمت المحكمة شركة «لافارج» بدفع الغرامة المالية القصوى المنصوص عليها قانوناً، والتي بلغت ملياراً ومئة وخمسة وعشرين مليون يورو، إضافة إلى غرامة جمركية قدرها أربعة ملايين وسبعة وخمسون ألف يورو، على خلفية خرقها للعقوبات المالية الدولية المفروضة آنذاك. وشملت لائحة الإدانة أيضاً عدداً من المسؤولين التشغيليين والأمنيين، إلى جانب وسيطين سوريين، أحدهما تغيب عن جلسات المحاكمة طوعاً.

وتتقاطع هذه الإدانة مع اعتراف سابق للشركة نفسها أمام القضاء الأمريكي في عام 2022، حين أقرت بتقديم دعم مادي لكيانات مصنفة إرهابية، في تسوية مالية بلغت 778 مليون دولار. وفي ضوء هذا التراكم القضائي، تبرز القضية كنموذج كاشف لتعقيدات عمل الشركات الكبرى في بيئات النزاع، وتعيد طرح أسئلة جوهرية حول أخلاقيات الاستثمار وحدود المخاطرة، كما تعكس في الآن ذاته اتجاهاً متصاعداً نحو تشديد الرقابة والمساءلة القانونية على أنشطة هذه الكيانات خارج حدودها التقليدية.

المقال التالي