قانون المحاماة في ثوب جديد..تفاصيل التعديلات قبل عرضها على أنظار البرلمان

عقب أشهر من الاحتجاجات والإضرابات التي هزّت أروقة محاكم المملكة، كشفت جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن مضامين الصيغة المعدّلة لمشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، في خطوة اعتبرها مراقبون تتويجاً لمسار تفاوضي وُصف في بيان الجمعية بـ«البنّاء» مع رئاسة الحكومة. وتمثل هذه النسخة الجديدة قطيعة واضحة مع النص الأول الذي صاغته وزارة العدل تحت إشراف الوزير عبد اللطيف وهبي، وهو النص الذي أثار موجة غضب واسعة في صفوف المهنيين، دفعتهم إلى خوض سلسلة من الوقفات الاحتجاجية دفاعاً عن استقلالية المهنة وخصوصيتها.
الخميس الأسود يتحول إلى أخضر.. الملف يغادر مكتب الوزير ليستقر تحت قبة النواب
لم تكن المصادقة الحكومية الأولى على المشروع كافية لتمريره نحو البرلمان، إذ دفعت قوة التعبئة المهنية السلطة التنفيذية إلى تعليق المسطرة التشريعية وإعادة فتح ورش التشاور من جديد، بهدف تعديل مقتضيات اعتُبرت حينها تمس جوهر حرية الدفاع. وفي هذا السياق، أفادت مصادر مطلعة بأن النص المعدّل أصبح، يوم الخميس الماضي، بين أيدي ممثلي الأمة داخل مجلس النواب، إيذاناً بانطلاق مرحلة جديدة من النقاش والتدقيق تحت قبة المؤسسة التشريعية.
مبدأ المعاملة بالمثل يؤرق الجمعية.. سر بقاء المادتين 34 و35 رهينة النقاش البرلماني
ورغم أجواء الارتياح التي عبّرت عنها جمعية هيئات المحامين في بيانها، فإنها لم تُخف استمرار حالة اليقظة إزاء مقتضيات ما تزال تثير قلقاً بالغاً، وعلى رأسها المادتان 34 و35. وتنص هاتان المادتان على فتح المجال أمام المحامين الأجانب لمزاولة المهنة فوق التراب الوطني، وهو انفتاح ترفضه الجمعية بشكل واضح في غياب ضمانات فعلية تكرّس مبدأ المعاملة بالمثل لفائدة المحامي المغربي خارج الحدود. ويظل الحسم في مستقبل هاتين المادتين رهيناً بمداولات لجنة العدل والتشريع داخل البرلمان خلال الجلسات المقبلة.
حماية بجواز سفر دبلوماسي.. الاتفاقيات الدولية تدخل متن القانون لأول مرة
وفي سياق التحولات العميقة التي مست بنية المشروع، برز تعديل جوهري في المادة الأولى أعاد صياغة مرجعيات المهنة بشكل غير مسبوق. فقد أكدت المادة على الطبيعة الحرة والمستقلة لمهنة المحاماة، مع ربط ممارستها بشكل صريح باحترام الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية ونُشرت نصوصها الكاملة في الجريدة الرسمية. وامتداداً لهذا التوجه، جاءت المادة 32 لتمنح المحامي إمكانية الترافع خارج التراب الوطني، شريطة الالتزام التام بمضامين الاتفاقيات الدولية المعمول بها في هذا المجال.
نهاية عصر «طرق الباب».. حين يستبدل المشرّع التفتيش بالإشراف حمايةً للأسرار المهنية
ويُعد التعديل الذي طال المادة 74 من أبرز التحولات ذات الدلالة العميقة، حيث تم استبدال عبارة «تفتيش» مكتب المحامي بمصطلح «الإشراف»، في تغيير دقيق يعكس تحوّلاً في الفلسفة القانونية المنظمة للعلاقة بين السلطة والمهنة. هذا التحول يقطع مع الصورة التقليدية المرتبطة باقتحام المكاتب والاطلاع على أسرار الموكلين، ويؤسس بدلاً من ذلك لصيغة رقابية أكثر تحفظاً، تراعي قدسية السر المهني وحرمة العلاقة بين المحامي وموكليه.
قطع الحبل السري مع الوصاية.. كيف استعادت الهيئات مفاتيح تنظيم شؤونها الداخلية؟
لم تتوقف مظاهر تعزيز الاستقلالية عند الجانب المفاهيمي، بل امتدت إلى إعادة توزيع الاختصاصات داخل المنظومة المهنية. فقد نصت المادة السادسة على إلغاء إلزام نشر لوائح المترشحين الذين استكملوا فترة التكوين على الموقع الإلكتروني لوزارة العدل، وهو الإجراء الذي كان يمنح الوزارة دوراً مباشراً في ضبط مسار الترشح. ومع هذا التعديل، أصبحت الهيئات المهنية تتولى هذا التدبير بشكل كامل. وعلى النهج نفسه، أسندت المادة 18 صلاحية تحديد واجب الانخراط إلى مجالس الهيئات، بدل الوزارة، في إطار تنظيمي عام يضمن استقلال القرار الداخلي.
إلغاء «مجلس الهيئات» وترسيم ولاية النقيب.. ضبط انتخابي بمواعيد دقيقة
وعلى مستوى الهيكلة المؤسسية، كرّست الصيغة المعدّلة الحذف النهائي لمشروع إحداث «مجلس لهيئات المحامين»، بعد أن كان يقترح إطاراً وطنياً جامعاً لتمثيل الجسم المهني، قبل أن يتم التخلي عنه عقب اعتراضات واسعة، مما أبقى على البنية التقليدية المتمثلة في جمعية هيئات المحامين بالمغرب.
أما على صعيد التنظيم الانتخابي، فقد نصت المادة 129 على انتخاب النقيب لولاية وحيدة مدتها ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، إلى جانب أعضاء المجلس الذين يُنتخبون للمدة نفسها مع إمكانية إعادة الانتخاب. كما أقر النص إلزامية التوقف لمدة ثلاث سنوات بالنسبة لمن قضى ولايتين متتاليتين قبل الترشح مجدداً، مع تحديد دقيق لموعد إجراء هذه الاستحقاقات المهنية خلال الأسبوعين الأخيرين من شهر دجنبر من السنة الأخيرة للولاية الجارية.

تعليقات