بين تضارب المصالح وجمود محطات الوقود.. رفض حكومي لإنزال الأسعار بعد هدنة الشرق الأوسط؟

يتكرر المشهد بحذافيره كلما انخفضت أسعار النفط في الأسواق العالمية، لكنه يظل يثير الاستغراب ذاته ويفتح الجروح نفسها. ففي الوقت الذي تستجيب فيه محطات الوقود بسرعة مذهلة لأي ارتفاع طارئ في سعر البرميل، تتحول إلى كتلة من الجمود حين تعكس المؤشرات الدولية اتجاهاً نزولياً. هذا الانفصال المتعمد بين الخارج والداخل لم يعد مجرد ملاحظة عابرة، بل تحول إلى سؤال مرير حول حدود تأثير المواطن في معادلة يتحكم فيها كبار الفاعلين.
المتغير الجديد الذي فرض نفسه بقوة خلال اليومين الأخيرين تمثل في التراجع اللافت لأسعار النفط الخام إلى ما دون حاجز المائة دولار للبرميل. وجاء ذلك مباشرة بعد إعلان الهدنة التي ألقت بظلالها على منطقة الشرق الأوسط اليوم السبت. غير أن هذا الخبر، الذي هز أركان الأسواق العالمية، بقي حبيس الشاشات المالية الدولية، ولم يجد طريقه إلى لوحات الأسعار الإلكترونية في المحطات الوطنية، حيث استمرت الأرقام معلقة في مستوياتها المرتفعة وكأن شيئاً لم يحدث.
المثير للتأمل هنا هو الفارق الصارخ بين سرعة الاستجابة في حالتي الصعود والهبوط. ففي ذروة الأزمات الجيوسياسية كانت الزيادات تُمرَّر بسلاسة مدهشة تحت ذرائع «تقلبات السوق» و«ارتفاع كلفة الشحن والتأمين». أما اليوم، وقد انحسرت تلك الذرائع، فإن العجلة تبدو مثقلة بقيود خفية تمنعها من الدوران في الاتجاه المعاكس، ليتأكد للمتابع أن ثمة منطقاً غير مكتوب يفرض أن تكون الأسعار مرتفعة دوماً.
مصادر إعلامية مهتمة بالشأن الاقتصادي نقلت تفاصيل صادمة تخص موقف رئيس الحكومة عزيز أخنوش من هذا الملف، مؤكدة أنه رفض إقرار أي خفض في الأسعار قبل تصريف المخزون الحالي الذي تملكه شركاته من المحروقات، بما في ذلك الكميات المستوردة من النفط الروسي خلال الفترات السابقة. هذا المعطى يعيد النقاش إلى واجهة الجدل حول حدود الفصل بين القرار العمومي والمصالح الاقتصادية الخاصة، ويضع مسألة تضارب المصالح في قلب النقاش العمومي.
أرباب محطات الوقود وجدوا أنفسهم بدورهم أسرى لهذه الوضعية المربكة. فهم يبيعون للمواطنين بأسعار لا تعكس التراجع الفعلي لكلفة الاستيراد، في ظل غياب شبه تام لأي تدخل رقابي يضبط الإيقاع أو يفرض احترام منطق السوق. ووسط هذا المشهد يصبح المستهلك المغربي الحلقة الأكثر هشاشة في هذه السلسلة الطويلة، إذ يتحمل العبء مضاعفاً؛ مرة عند ارتفاع الأسعار، ومرة أخرى عندما تنخفض في الأسواق الدولية ولا تصل آثارها إليه.
اللبس الحاصل في هذا الملف لا يتوقف عند حدود استمرار الغلاء فحسب، بل يتجاوزه إلى أزمة ثقة عميقة يشعر بها عموم المواطنين تجاه آليات المحاسبة والشفافية. فعندما تتعاظم الأرباح في قطاع استراتيجي وتغيب لغة الأرقام الواضحة عن النقاش العمومي، يصبح الحديث عن «السوق الحرة» مجرد قناع هش يخفي وراءه واقعاً احتكارياً يزداد تغلغلاً، بينما تتشابك خيوط السلطة بالمال وتتقدم مصالح الفاعلين الكبار على حساب ملايين المغاربة الذين ينتظرون معادلة بسيطة: إذا كانت الأسعار ترتفع بسرعة البرق، فمن البديهي أن تنخفض بالوتيرة نفسها.

تعليقات