آخر الأخبار

اليماني لـ”مغرب تايمز”: تضارب المصالح يعيد طرح سؤال السيادة الطاقية في ظل غياب لاسامير

في الوقت الذي تتصاعد فيه موجة الغضب الشعبي إزاء الارتفاع المهول لأسعار المحروقات، وتتوالى التصريحات الرسمية المثيرة للجدل حول حجم المخزون الاستراتيجي للبلاد، يقف المواطن المغربي حائراً بين فوهة مضخة البنزين ووعود المسؤولين. وبين تصريح وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، السيدة ليلى بنعلي، بأن ما «يهمها هو وجود المادة لا سعرها»، واستمرار مسلسل تحرير الأسعار في غياب رقابة فعلية، تتجدد الأسئلة الحارقة حول موقع السيادة الطاقية ضمن أولويات صانع القرار.

في هذا الحوار الخاص والمطول، تفتح «مغرب تايمز» ملف الطاقة مع الخبير اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ المصفاة المغربية للبترول، حيث لا يقتصر النقاش على تشريح واقع القطاع وتضارب الأرقام الحكومية، بل يمتد أيضاً إلى جرد أسباب ملف «لاسامير» المغلق، وكشف تفاصيل ما وصفه بـ«الخوصصة العمياء»، فضلاً عن تبعات تضارب المصالح التي تلقي بظلالها على جيوب المغاربة قبل خزانات سياراتهم.

«مغرب تايمز»: كيف تعلقون على ما صرحت به الوزيرة بنعلي من أنها لا يهمها كم يبلغ ثمن المحروقات في المغرب، بل ما يهمها فقط وجودها في محطات الوقود مهما كان ثمنها؟

الخبير اليماني: المسؤولة الأولى في القطاع تقول بوضوح إننا لا نهتم بالثمن بقدر ما يهمنا توفير المنتوج. هذا الموقف يشبه المثل المغربي القائل: «ما كحلته ما سوكتلو»، بمعنى أن الوزارة لا تضمن لنا أسعاراً معقولة ولا تضمن لنا حتى المخزونات الاستراتيجية. نحن نعيش أزمة حقيقية، وكنا في بداية فبراير نعاني من خصاص حاد في المخزونات. وإذا كانت الوزيرة قد حاولت التهرب من مسؤولية الأسعار بحجة أنها ليست من اختصاصها، فإن مسؤولية مراقبة المخزونات تبقى من صميم اختصاصها المباشر. هناك تراخيص تمنحها الدولة لشركات المحروقات مقابل التزامات صارمة، غير أن الأزمات الجيوسياسية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، كشفت اختلالات واضحة في احترام هذه الالتزامات، سواء على مستوى ضبط الأسعار أو احترام الحدود القانونية للمخزون الإجباري.

«مغرب تايمز»: القانون يلزم شركات المحروقات بامتلاك احتياطي استراتيجي يكفي 60 يوماً، لكن الوزيرة بنعلي صرحت بأرقام متضاربة: 40 يوماً، ثم 30 يوماً، و54 يوماً. ألا يُعتبر هذا التضارب اعترافاً ضمنياً بوجود خلل جسيم في القطاع؟

الخبير اليماني: هذا الأمر واضح وجلي. في بداية فبراير تم الحديث عن 614 ألف طن كمخزون متوفر، وهو ما يعادل تقريباً 18 يوماً فقط من الاستهلاك الوطني. بعد ذلك ظهرت أرقام أخرى تتراوح بين 47 و57 يوماً، لكنها تبقى في كل الأحوال أقل من السقف القانوني المحدد في 60 يوماً. السؤال الجوهري اليوم هو: ما الإجراءات الزجرية التي تم تفعيلها وفق ظهير 1971 في حق المخالفين؟ نحن أمام وضع يمكن تلخيصه بعبارة «مكره أخاك لا بطل»، إذ تدرك الدولة أن أي تشدد مفاجئ قد يخلق اضطراباً في التزويد وشللاً في السوق. كان المغرب يتوفر على ركيزتين أساسيتين في قطاع الطاقة: التكرير عبر مصفاة «لاسامير»، والتوزيع عبر شبكات المحطات. اليوم فقدنا ركيزة التكرير وبقينا على ركيزة واحدة، ما يجعل المنظومة الطاقية أكثر هشاشة.

«مغرب تايمز»: ألا ترون أن من الضروري أن تحتفظ الدولة بنفسها بمخزون استراتيجي خاص بها؟ أعتقد أنه على الأقل ينبغي أن تؤمن الدولة مخزوناً احتياطياً، خاصة وأن المواطن يؤدي ما بين 16 و18 سنتيماً على كل لتر من المحروقات لتمويل هذا المخزون. وبما أن الحكومة غير قادرة على مواجهة «لوبي المحروقات»، ألا يجب أن تنشئ محطة توزيع عمومية خاصة بها أو مخزوناً استراتيجياً تحت سيطرتها المباشرة؟

الخبير اليماني: هذا هو الإطار التشريعي الذي نادينا به مراراً. المغرب كان يملك إطاراً تشريعياً يعود إلى سنة 1971، وهي فترة كانت فيها الدولة مالكة للأصول الطاقية، حيث كانت تمتلك رساميل في أكثر من نصف شركات التوزيع الكبرى التي كانت تُعرف بـ«الأخوات السبع»، إضافة إلى مصافي التكرير في المحمدية وسيدي قاسم. اليوم، بعد أن تخلت الدولة عن هذه الأصول وحررت الأسعار وتركت السوق ينظم نفسه بنفسه، بقي الإطار التشريعي متحجراً ولم يُطور لمواكبة هذه التحولات العميقة. هناك فراغ تشريعي خطير يتيح لهذه الشركات العمل دون رقابة حقيقية.

«مغرب تايمز»: دعنا نتحدث تحديداً عن شركة «لاسامير». ماذا كانت ستجنبنا لو أنها ما زالت تعمل حتى الآن؟

الخبير اليماني: «لاسامير» كانت صمام الأمان الحقيقي في لحظات الأزمات. هذه المصفاة التي تأسست سنة 1961 وطُورت طاقتها التكريرية من 4 مليون طن إلى 8 مليون طن مع أزمة البترول سنة 1978، كانت توفر ثلاث مزايا استراتيجية كبرى. أولاً، فيما يخص المخزون: سعة تخزين «لاسامير» وحدها كانت تصل إلى 1.4 مليون طن، وهذا الرقم يعادل 45 يوماً من استهلاك المغاربة. للمقارنة، إذا كانت الوزيرة قد قالت في فبراير إن المخزون الوطني 18 يوماً ثم عادت لتذكر 47 أو 54 يوماً، فإن الـ45 يوماً التي كانت توفرها «لاسامير» وحدها تعتبر رقماً محورياً في معادلة الأمن الطاقي. ثانياً، هامش التكرير: كان المواطن يشتري الغازوال بهامش ربح تكريري يقدر بـ3 دراهم، وهذه الـ3 دراهم كانت تذهب مباشرة إلى خزينة الدولة ويمكن توظيفها لتخفيف الأعباء عن المواطن، أما اليوم فهذا الهامش يذهب بأكمله إلى أرباح القطاع الخاص. تقديرياً، تجاوزت أرباح شركات المحروقات المصرح بها 90 مليار درهم مع نهاية سنة 2025. ثالثاً، العملة الصعبة: استيراد البترول الخام وتكريره محلياً في «لاسامير» كان أوفر بكثير من استيراد المادة الجاهزة مكررة، ونقدر الوفر المالي بحوالي 31 مليار درهم من العملة الصعبة في الظرفية الحالية.

المقال التالي