وداعاً لزمن “الدار الكبيرة”؟.. الأسر تنكمش إلى أقل من 4 أفراد و73% منها نووية (وثائق)

تُعيد الأرقام الصادرة عن أحدث المسوحات الوطنية رسم ملامح جديدة للعلاقات داخل المجتمع المغربي، بعيداً عن الصور النمطية التي ترسخت لعقود طويلة. فمعطيات «البحث الوطني حول الأسرة 2025» لا تكشف مجرد تحولات كمية في حجم الأسر، بل تعكس إعادة صياغة هادئة وعميقة لبنية العيش المشترك، الذي ظل لعقود أحد أعمدة التماسك الاجتماعي.
ويبرز الانكماش المتواصل في حجم الأسر كأحد أبرز مؤشرات هذا التحول البنيوي، إذ تراجع متوسط عدد أفراد الأسرة المغربية من 4.6 أفراد سنة 2014 إلى 3.9 أفراد سنة 2024. هذا التراجع لا يحمل طابعاً إحصائياً فقط، بل يعكس انتقالاً تدريجياً نحو أنماط سكن أكثر استقلالية وتراجعاً في العيش العائلي الموسّع.
وفي السياق ذاته، يترسخ النموذج النووي للأسرة بشكل واضح، إذ أصبحت 73 في المائة من الأسر المغربية تتكون من الوالدين والأبناء فقط. وبالمقارنة مع سنة 1995، حين كانت النسبة لا تتجاوز 61 في المائة، يتضح حجم التحول البنيوي في شكل الأسرة ووظيفتها الاجتماعية، مع استمرار حضور نموذج «الزوجان مع أطفال» بنسبة 53.9 في المائة، خاصة في الوسط القروي.
ومن أبرز التحولات أيضاً ارتفاع نسبة الأزواج الذين يعيشون دون أطفال إلى 9.4 في المائة بعد أن كانت 3.4 في المائة سنة 1995، وهو ما يرتبط بظاهرة «الأعشاش الفارغة»، حيث يشكل من تجاوزوا سن الستين أكثر من 72 في المائة من هذه الفئة، بما يعكس تسارع الشيخوخة داخل البنية الأسرية.
وفي المقابل، تراجعت الأسر الممتدة التي تضم عدة أجيال من 35.2 في المائة إلى 19.8 في المائة، بما يعكس انحسار نمط اجتماعي ظل طويلاً مميزاً للهوية الأسرية المغربية. كما تقلصت نسبة التعايش بين الأجيال من 29 في المائة إلى 16.8 في المائة، في إشارة إلى تراجع القرب الجغرافي وتحول العلاقات إلى أشكال أقل حضوراً يومياً وأكثر اعتماداً على الدعم المالي والتواصل عن بعد.
وبالتوازي مع ذلك، تعرف الأسر الأحادية ارتفاعاً تدريجياً من 7.3 في المائة إلى 8.8 في المائة، مع حضور أوضح في المجال الحضري. ويرتبط هذا النمط في جزء كبير منه بتزايد حالات الطلاق والضغوط الاقتصادية، ما يجعله مؤشراً على بروز أشكال جديدة من الهشاشة الاجتماعية.
ولا تقف التحولات عند البنية الأسرية، بل تمتد إلى السلوك الزواجي، حيث يتزايد العزوف عن الزواج بشكل لافت، إذ إن 52 في المائة من العازبين لا يبدون رغبة في الإقدام عليه. كما ارتفع سن الزواج الأول إلى 26.3 سنة لدى النساء و33.3 سنة لدى الرجال، في انعكاس مباشر لتغيرات اقتصادية واجتماعية عميقة، إلى جانب تراجع زواج الأقارب إلى 20.9 في المائة، بما يعكس انفتاحاً مجتمعياً متزايداً.
ورغم هذه التحولات، تظل الأسرة الإطار الأساسي لرعاية كبار السن، إذ يعيش 59.3 في المائة منهم مع أحد الأبناء. غير أن هذا الواقع يخفي هشاشة واضحة، حيث إن 31 في المائة من كبار السن بلا دخل، ولا تتجاوز نسبة من تغطي مداخيلهم احتياجاتهم الأساسية 9 في المائة، ما يبرز محدودية منظومة الحماية الاجتماعية.
وتشير المعطيات أيضاً إلى أن 62 في المائة من المغاربة يعيشون حركية اجتماعية مختلفة عن وضع آبائهم، وهو ما يعكس دينامية واضحة في البنية الاجتماعية. غير أن هذه الحركية تظل مرتبطة أكثر بتغيرات اقتصادية بنيوية، حيث سجل 41 في المائة صعوداً اجتماعياً مقابل 21.2 في المائة تراجعاً.


وتؤكد هذه التحولات، في مجملها، أن الأسرة المغربية لا تتجه نحو التفكك، بل نحو إعادة تشكيل أدوارها وأحجامها ووظائفها، في سياق اجتماعي واقتصادي جديد يفرض أنماطاً أكثر استقلالية، ويعيد تعريف مفهوم الأسرة بعيداً عن صورة «الدار الكبيرة».

تعليقات