فاتورة الطاقة تلتهب بنار الحرب.. هل تبتلع ميزانية 2026 التوازنات الاجتماعية الموعودة؟

تقف أسواق النفط العالمية على صفيح ساخن لم تعهده منذ أمد بعيد، إذ تحولت التوترات الجيوسياسية المتفاقمة في قلب مضيق هرمز إلى شعلة تحت قدر الغليان، دفعت بأسعار الخام إلى مستويات قد تنسف كل التوقعات الهادئة التي بنت عليها الحكومات خططها المالية المقبلة. ففي الوقت الذي كانت ترسم فيه ملامح موازنة سنة 2026 على وقع وعود بتعزيز التوازنات الاجتماعية ودعم القدرة الشرائية، تطل برأسها أزمة الطاقة مجدداً لتهدد بابتلاع الهوامش المالية التي تراهن عليها الخزينة العامة.
وفي تعاملات اليوم الأربعاء المحمومة، تجسدت هذه الهواجس في أرقام صارخة عكست حجم الهلع الذي يسيطر على أرضية التداول. فقد صعدت العقود الآجلة لخام برنت القياسي، تسليم شهر يونيو، بنسبة 0.55 في المائة، ما أضاف إلى قيمته نحو 61 سنتاً دفعة واحدة، لترسو عند حاجز 110.42 دولار للبرميل الواحد، بعدما سجلت قمة أعلى عند 111.80 دولار في ساعات الذروة الصباحية.
ولم يكن المشهد أقل دراماتيكية في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، حيث قفزت عقود خام نايمكس الأمريكي تسليم شهر مايو بنسبة 2.33 في المائة، أي ما يعادل زيادة قدرها 2.64 دولار، ليغلق عند سعر 115.03 دولار للبرميل. وكان الخام الخفيف قد اختبر سقف 116.56 دولار خلال الجلسة، في إشارة واضحة إلى أن الأسواق باتت تسعر سيناريو الصدام وليس مجرد المناورة.
وجاءت هذه الهزة السعرية العنيفة متزامنة مع تسرب تقارير موثوقة حول شن القوات الأمريكية ضربات موجعة استهدفت بنى تحتية عسكرية داخل نطاق جزيرة خرج الإيرانية. وتكمن خطورة هذا التطور في كون الجزيرة محوراً لا غنى عنه في تصدير النفط الإيراني، مما يعني أن أي تعطل يطالها يُحدث صدعاً فورياً في معادلة العرض والطلب العالمي، لا سيما في ظل إغلاق مضيق هرمز الذي يحرم الأسواق من كميات حيوية من الإمدادات.
وفي خضم هذا التصعيد الميداني، يزداد التعقيد مع تمسك طهران بموقف صلب حيال أي حلول ترقيعية. فقد أكدت مصادر دبلوماسية نقلت عنها وكالة «رويترز» أن الجمهورية الإسلامية رفضت بشكل قاطع مقترحاً أمريكياً لوقف إطلاق النار قُدم عبر القنوات الباكستانية، وأصرت على أن فتح الممر المائي الحيوي مرهون بالتوصل إلى إنهاء دائم وشامل لحالة الصراع القائمة، وليس مجرد تهدئة مؤقتة تحت وطأة الضغوط العسكرية.
هذا الجمود في المسار الدبلوماسي يبقي شبح انقطاع التدفقات النفطية مخيماً بقوة على توقعات الربع القادم من السنة وما بعدها. ومع كل برميل إضافي يرتفع في الأسواق الدولية، تتعاظم فاتورة الطاقة التي تستوردها بلدان كالمغرب، مما يجعل مهمة المشرع المالي وهيئة الخبراء في الحفاظ على التوازنات الاجتماعية لموسم 2026 أكثر تعقيداً وغموضاً.
وإذ تندلع نار الحرب الكلامية والضربات المحدودة على ضفاف الخليج، فإن جمر أسعار النفط ينتقل حتماً إلى رئة الاقتصاد الوطني. ففي غياب يقين بشأن آفاق التهدئة، تبقى استدامة دعم المواد الأساسية وصون البرامج الاجتماعية المنشودة رهينة بمنحنى لا تحكمه سوى حسابات جيوسياسية معقدة على مرمى حجر من مياه مضيق هرمز الملتهبة.

تعليقات