آخر الأخبار

بين واشنطن والرباط.. جبهة دبلوماسية جديدة تربك حسابات إسبانيا في شمال إفريقيا

كأن الهدوء الحذر الذي خيّم طويلاً على ضفتي المضيق بدأ يتشقق تحت وطأة تصريحات غير مألوفة صادرة من قلب المؤسسة السياسية الأمريكية. فلم تعد قضية مدينتي سبتة ومليلية مجرد ملف ثنائي جامد بين مدريد والرباط، بل تحولت إلى مادة للنقاش داخل أروقة واشنطن، واضعةً الدبلوماسية الإسبانية في موقف حرج، وهي تتابع تبنّي حليف استراتيجي لأطروحة خصمها التقليدي بشأن هاتين المنطقتين الواقعتين على الساحل المتوسطي للمغرب.

ولم تتأخر مدريد في التعبير عن انزعاجها العميق إزاء هذه المتغيرات المتسارعة. ففي خطوة تعكس حجم الاستياء الرسمي، خرج خوسيه مانويل ألباريس اليوم وزير الخارجية الإسباني، بتصريح حاد، وصف فيه هذه الطروحات بأقوى العبارات الدبلوماسية الممكنة. وجاء الرد الإسباني صارماً حين وصف ألباريس، في معرض رده على سؤال لوسيلة إعلام محلية، الادعاءات التي تفيد بأن المملكة المغربية تسعى إلى «تحرير سبتة ومليلية بدعم أمريكي» بأنها «أمر سخيف» لا يمت إلى الواقع بصلة.

ويكتسب هذا الجدل زخماً متزايداً مع بروز شخصيات أمريكية نافذة تتبنى، بشكل علني، الرواية المغربية بشأن المدينتين. فبعد التصريحات التي أدلى بها مايكل روبن، المستشار السابق في وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاغون»، انضم النائب الجمهوري ماريو دياز-بالارت إلى هذا التيار الداعم لموقف الرباط. ويكتسي هذا المعطى أهمية خاصة، بالنظر إلى القرب السياسي الذي يجمع دياز-بالارت بالسيناتور الجمهوري البارز ماركو روبيو، ما يمنح مواقفه وزناً يتجاوز حدود الرأي الفردي داخل المشهد السياسي الأمريكي المعقد.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن حالة الفتور التي تطبع العلاقات بين واشنطن ومدريد منذ فترة. فالتوترات التي وسمت مرحلة الرئيس السابق دونالد ترامب مع رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خصوصاً بشأن ملفات دولية حساسة، ألقت بظلالها على مسار التعاون الثنائي. وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن هذه المواقف الأمريكية قد تشكل امتداداً لأدوات الضغط السياسي على حكومة سانشيز، مع توظيف ملف سبتة ومليلية ضمن توازنات أوسع تحكمها حسابات القوة والنفوذ.

في المقابل، تبدو الرباط متمسكة بثوابتها التاريخية التي لم تعرف مساومة أو تراجعاً. فالموقف المغربي من سبتة ومليلية يستند إلى رؤية ثابتة تعتبرهما أراضٍ مغربية محتلة، وتتعامل معهما باعتبارهما امتداداً لمرحلة استعمارية لم تُسوَّ بعد. وقد تجسد هذا التوجه في مبادرات دبلوماسية متعاقبة، أطلقها المغفور له الملك الحسن الثاني سنتي ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين وألف وتسعمائة وأربعة وتسعين، قبل أن يواصل الملك محمد السادس النهج ذاته بثبات منذ عام ألفين واثنين.

وسط هذا التفاعل المتسارع، تتابع الرباط الجدل الأمريكي الإسباني باهتمام، مع تفضيل الترقب الهادئ لقراءة التحولات الجارية في موازين القوى. وبين اعتبار مدريد لهذه المواقف مساساً بخطوطها الحمراء، ورؤية الرباط فيها مؤشرات داعمة لعدالة طرحها، يظل المشهد في غرب المتوسط مفتوحاً على تحولات محتملة قد تعيد رسم معالم العلاقة بين ضفتي المضيق.

المقال التالي