3875 أسرة تستفيد من منحة الولادة في فبراير 2026.. لماذا يُهمش الجنوب بأقل من 1%؟

أظهرت أرقام رسمية صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية أن منحة الولادة، المندرجة ضمن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، استفادت منها أكثر من 84 ألف أسرة مغربية منذ إطلاق البرنامج في دجنبر 2023 إلى غاية فبراير 2026، بكلفة إجمالية بلغت 119 مليون درهم.
وتكشف البيانات الحديثة عن تفاوت صارخ في توزيع هذا الدعم بين جهات المملكة، إذ تتصدر جهة فاس-مكناس القائمة بنسبة 20%، بينما لا تتجاوز حصة جهة الداخلة-وادي الذهب 0.1% فقط، ما يطرح تساؤلات حادة حول مدى عدالة التوزيع الجغرافي للموارد ومدى وصول الدعم إلى الفئات الأكثر هشاشة.
ويستهدف البرنامج نحو 60% من السكان غير المستفيدين من التعويضات العائلية، ويشمل عدة إعانات، منها دعم الطفولة، ومنح شهرية للأطفال، ومساعدات إضافية في حالات اليتم أو الإعاقة، إضافة إلى منحة الولادة الخاصة بالأول طفلين فقط، ما يعني استبعاد الأسر الكبيرة من هذا الدعم المحدد.
وخلال شهر فبراير 2026 وحده، استفادت 3875 أسرة من المنحة، بغلاف مالي ناهز 6 ملايين درهم. ومع هذا الإنجاز المالي، يبرز السؤال الملح: لماذا تظل نسب الاستفادة في جهات الجنوب متدنية إلى هذا الحد؟
على المستوى الجهوي، حصلت جهة كلميم-واد نون على 1% فقط، بينما لم تتجاوز حصة العيون-الساقية الحمراء 0.5%، وسجلت الداخلة-وادي الذهب 0.1% وفق معطيات أكتوبر 2025، وهي نسب لا تتوافق مع مبادئ العدالة المجالية التي يكفلها دستور المملكة.
وفي المقابل، سجلت جهات مثل مراكش-آسفي 16%، والدار البيضاء-سطات 13%، والرباط-سلا-القنيطرة 12%، ما يعكس تركيزاً واضحاً للدعم في الحزام التنموي الشمالي والوسط، على حساب المناطق الجنوبية والشرقية التي لم تتجاوز نسبتها 5%.
ويشير متابعون للشأن الاجتماعي إلى أن هذا التباين لا يعكس كثافة سكانية فقط، بل يشير أيضاً إلى ضعف ولوج سكان بعض المناطق إلى المنصة الإلكترونية المخصصة للتسجيل، أو إلى نقص حملات التحسيس والتوعية في الجهات النائية، ما يزيد من فجوة النفاذ إلى الدعم. كما أن ضعف البنية التحتية الرقمية في بعض المناطق الجنوبية والريفية يحرم الأسر من التسجيل واستفادة أطفالهم من المنحة.
وأكد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، أن الاستفادة من هذا الدعم تخضع لمقتضيات القانون المنظم لنظام الدعم الاجتماعي المباشر، بما يضمن الشفافية وتكافؤ الفرص، غير أن الأرقام المتاحة تكشف فجوة واضحة تستدعي مراجعة آليات التوزيع وتحسين النفاذ إلى الخدمات الرقمية، خصوصاً في المناطق المهمشة.
ويشمل البرنامج أيضاً إعانات للأسر بدون أطفال أو التي تجاوز أبناؤها سن 21 سنة، إضافة إلى دعم خاص بالأيتام ونزلاء مؤسسات الرعاية، غير أن غياب تقييم دوري لتأثير هذه الإعانات على الفئات الهشة يظل نقطة عمياء في هذا الورش الاجتماعي الكبير، ما يحتم إعادة النظر في الاستراتيجيات المتبعة لضمان فعالية الدعم وعدالته.
وتنطلق الحلول المقترحة لسد فجوة الجنوب من تعزيز الحملات التحسيسية والتواصلية لتسهيل معرفة المواطنين بوجود المنحة وآلية التسجيل، إلى تطوير البنية التحتية الرقمية عبر توفير نقاط تسجيل مباشرة في المناطق النائية وربطها بالمنصة الإلكترونية، مع تخصيص حصة مضمونة للجنوب والشرقية لضمان توزيع عادل وتقليص التفاوتات المجالية، وإجراء تقييم دوري لتأثير الدعم على الأسر الهشة لضمان فعاليته، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية وتقليص الوثائق المطلوبة لتسهيل وصول الأسر الكبيرة والمهمشة إلى المنحة.
تطبيق هذه الإجراءات يساهم في الحد من فجوة التوزيع، ويحقق العدالة المجالية التي يكرسها دستور المملكة، مع تعزيز فعالية البرنامج ليصل فعلاً إلى الأسر الأكثر حاجة في كل مناطق المغرب، ويضمن استفادة الفئات الهشة من الدعم الاجتماعي بشكل ملموس وحقيقي.

تعليقات