الديناصورات تخرج من المشهد.. كيف يعيد المغرب تشكيل نفوذه في فرنسا؟

كشفت صحيفة «لو موند» الفرنسية عن تحولات جذرية في شبكات النفوذ المغربية بفرنسا، بعد عقود من الاعتماد على شخصيات تقليدية مثّلت جسراً غير رسمي بين الرباط وباريس. وتبدو هذه الشبكات اليوم في طور إعادة هيكلة غير واضحة المعالم، في وقت يتراجع فيه تأثير الوجوه القديمة، مقابل عجز بدائل جديدة عن سد الفراغ الذي يخلّفه هؤلاء.
وجاء في تقرير نشرته الصحيفة يوم الجمعة، ووصِف بـ«من الديناصورات إلى التكنوقراط»، أن قنوات التواصل بين البلدين تشهد انتقالاً تدريجياً من النخب التاريخية التي طبعت العلاقات الشخصية لعقود، إلى جيل جديد من التقنيين والفاعلين الاقتصاديين، الأكثر براغماتية والأقل ميلاً لمنطق الامتيازات.
وسلّط التقرير الضوء على أربعة أسماء بارزة لعبت دور الوسيط غير الرسمي في الملفات السياسية والثقافية، وهم وزيرة الثقافة الفرنسية السابقة رشيدة داتي، والكاتب الطاهر بن جلون، ورئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف مهدي قطبي، والرئيس المستقيل لمعهد العالم العربي جاك لانغ. غير أن تقدّم هؤلاء في السن، إلى جانب الجدل الأخلاقي الذي طاول بعضهم، كشف هشاشة هذا النموذج، وأثار تساؤلات حول من سيخلفهم.
واعتبرت الصحيفة أن الأزمة الدبلوماسية بين فرنسا والمغرب خلال عامي 2022 و2023 شكّلت اختباراً حقيقياً، أظهر ترهّل الشبكات القديمة. ومع ذلك، ما تزال هذه الشخصيات تحتفظ بقدرة على تمرير الرسائل، بما في ذلك مواقف باريس من قضية الصحراء المغربية، بل وحتى تسهيل قنوات التواصل مع الرئيس الفرنسي وزوجته بريجيت ماكرون.
في المقابل، فقدت بعض الوجوه بريقها تدريجياً، وفي مقدمتها جاك لانغ، الذي استقال من منصبه عقب انكشاف علاقاته بجيفري إبستين، ما أفقده ثقله لدى الإليزيه والقصر الملكي في المغرب. وقد حلّت محلّه آن-كلير ليجندر، الدبلوماسية المخضرمة والمستشارة السابقة للرئيس الفرنسي، في خطوة تعكس توجهاً نحو شخصيات تشتغل بمنطق مؤسساتي بعيداً عن «امتيازات» الماضي.
ونقل التقرير عن مسؤول مغربي رفيع قوله إن «الجانب العاطفي بين البلدين تراجع»، مشيراً إلى أن الشبكات الجديدة يُفترض أن تقوم على التقنيين وشخصيات أقل ارتباطاً بالعلاقات الشخصية، بما يعكس توجهاً نحو تطبيع العلاقة الثنائية على أسس أكثر مهنية.
وعلى مستوى السياسة المحلية الفرنسية، يتابع المغرب عن كثب الانتخابات البلدية، ويدعم صعود مسؤولين ثنائيي الجنسية، من قبيل عبد العزيز حميدة في غوسينفيل، وكريم بوامران في سانت أوين، وعلي رحب في ترابس. كما يحظى بدعم بعض رؤساء البلديات المنتمين إلى اليمين واليمين المتطرف، مثل إريك سيوتي في نيس، الذين يدافعون تقليدياً عن مواقف الرباط.
غير أن الصحيفة تؤكد أن لا شيء يضاهي رمزية انتخاب رشيدة داتي عمدة لباريس. وفي غياب ذلك، برزت أسماء أخرى، من بينها لميا العراجي، المولودة في الرباط، التي عُيّنت مساعدة أولى لإيمانويل غريغوار عن الحزب الاشتراكي، إلى جانب نجاة بلقاسم وفاطمة يداني، اللواتي رحّبن بتغيير الموقف الفرنسي من ملف الصحراء.
وفي القطاع الخاص، تحتفظ بعض القيادات التنفيذية في شركات فرنسية كبرى، مثل كاثرين ماكغريغور المديرة العامة لشركة «إنجي»، بعلاقات مهمة مع المغرب، لكنها تفصل بوضوح بين نشاطها المهني وروابطها الشخصية. بل إنها أوصت فرقها بعدم إبراز صلاتها بالمملكة، بينما تتولى إدارة هذه العلاقات سانا نهلا، ابنة أخت رشيدة داتي.
ويعبّر دبلوماسيون فرنسيون عن ارتياحهم لتراجع دور بعض النخب التقليدية، معتبرين أن صعود «الماكرونيين» إلى الإليزيه ثم البرلمان منذ عام 2017 ساهم في طيّ صفحة امتدت منذ عهدي ميتران وشيراك، وساعد لاحقاً في تسريع إعادة تشكيل المشهد السياسي.
أما في المجال الأكاديمي والفكري، فيواصل المغرب، منذ منتصف العقد الأول من الألفية، سياسة استقطاب الباحثين والأساتذة الفرنسيين، من خلال دعم الجامعات ومراكز الأبحاث، مثل جامعة محمد السادس في بنجرير والرباط و«Policy Center for the New South»، ما أفرز إنتاجاً علمياً يتناول قضايا استراتيجية، من بينها ملف الصحراء وأنشطة مجموعة الفوسفاط.
وتبرز في المقابل شخصيات ثقافية وفكرية جديدة، مثل ليلى سليماني ورشيد بنزين، منخرطة في مبادرات لتعزيز التقارب، من بينها العمل على مشروع معاهدة صداقة بمناسبة زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون الأخيرة إلى المملكة، غير أنها تتحفّظ غالباً في التعبير عن القضايا المغربية الحساسة، ما يعكس ملامح مرحلة انتقالية تعيد رسم خرائط النفوذ بهدوء ولكن بعمق.

تعليقات