آخر الأخبار

ازدواجية الخطاب وانتقادات من الداخل.. هل دخلت الأغلبية الحكومية مرحلة الاحتضار السياسي؟

تسود حالة من الارتباك غير المسبوق داخل مكونات الأغلبية الحكومية، بالتزامن مع تسارع الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات التشريعية المرتقبة بعد عامين، إذ تكشف المؤشرات السياسية عن اختلالات عميقة في التنسيق والتدبير، تطرح تساؤلات جدية حول مصير التحالف الذي يقود المرحلة الحالية. فبين خرجات إعلامية متناقضة ومواقف متباينة، دخلت خارطة الطريق التي أعلنتها أحزاب الأغلبية الثلاثة — التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال — منطقة ضبابية سياسية، في وقت يتطلب وضوح الرؤية وتماسك القرار.

وأكثر ما أثار الانتباه في الآونة الأخيرة هو ما وصفه متتبعون بـ«ازدواجية الخطاب السياسي» لدى بعض مكونات الأغلبية، خصوصاً حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، اللذين باتا، وفق تعبير سياسي متداول، يضعان «رجلاً في الحكومة وأخرى في المعارضة». ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تدافع هذه الأحزاب عن حصيلة العمل الحكومي، خرجت قيادات منها بتصريحات تنتقد قطاعات وزارية، في مشهد يعكس ارتباكاً في تحديد الموقع السياسي، ويُضعف صورة التحالف أمام الرأي العام.

وفي هذا السياق، أثارت تصريحات نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، موجة تفاعل واسعة، بعدما وجّه انتقادات لعدد من القطاعات الحكومية، في خطوة اعتبرها مراقبون «غير منسجمة» مع موقعه داخل السلطة التنفيذية. غير أن المفارقة، بحسب المتتبعين أنفسهم، تكمن في أن القطاع الذي يشرف عليه بركة يواجه بدوره انتقادات حادة، خاصة فيما يتعلق بتدبير تداعيات الفيضانات الأخيرة، حيث يرى كثيرون أن الأداء لم يكن في مستوى تطلعات المواطنين، ولم يُقدّم حلولاً ملموسة بالسرعة والنجاعة المطلوبتين.

التناقضات المتكررة بين مكونات الأغلبية لم تعد مجرد «اختلافات عابرة»، بل تحولت إلى مؤشر على أزمة ثقة داخلية قد تعصف بتماسك التحالف في أي لحظة. فغياب خطاب موحد وتضارب التصريحات يبعثان برسائل سلبية إلى الرأي العام، ويمنحان المعارضة هامشاً أوسع لمهاجمة الحكومة والتشكيك في قدرتها على تدبير الشأن العام.

في ظل هذا الوضع، ترتفع أصوات داخل المشهد السياسي تدعو إلى تدخل عاجل لإعادة ترتيب البيت الداخلي للأغلبية، عبر عقد لقاء سياسي رفيع يجمع قادتها لتوضيح الرؤية وتحديد الأولويات بشكل دقيق، قبيل افتتاح الدورة التشريعية الربيعية الأخيرة للبرلمان. وفي هذا الإطار، يُطرح اسم محمد شوكي كأحد الفاعلين القادرين على لعب دور في تقريب وجهات النظر وفتح نقاش صريح حول مستقبل التحالف، وهو لقاء سيكون حاسماً بين خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة الانسجام إلى الأغلبية عبر تنسيق فعلي ومسؤول، أو الشروع في التفكير في بدائل وتحالفات جديدة استعداداً لمرحلة ما بعد 2026.

كل المؤشرات الحالية توحي بأن الانتخابات التشريعية المقبلة لن تكون مجرد محطة عادية، بل لحظة مفصلية قد تعيد رسم الخريطة السياسية بالمغرب. ففي ظل تراجع منسوب الثقة وتزايد الانتقادات الموجهة للأداء الحكومي، تبدو فرضية دخول أحزاب من المعارضة الحالية إلى الحكومة المقبلة أمراً وارداً بقوة. كما أن إعادة تشكيل التحالفات لن تكون محكومة فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل أيضاً بمدى قدرة الأحزاب على إقناع الناخبين ببرامج واضحة وواقعية، بعيداً عن الخطابات المتناقضة التي ميّزت المرحلة الحالية.

ما يجري اليوم داخل الأغلبية يمكن قراءته أيضاً كجزء من سباق مبكر نحو إعادة التموضع السياسي، حيث يسعى كل حزب إلى تحسين موقعه التفاوضي قبيل الانتخابات، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف صورة التحالف ككل. غير أن هذا الرهان قد يكون محفوفاً بالمخاطر، إذ قد يدفع الناخبين إلى معاقبة الأحزاب التي تبدو مترددة أو غير منسجمة في مواقفها. وفي خضم هذه التجاذبات، يظل المواطن المغربي الحلقة الأضعف، إذ ينتظر حلولاً ملموسة لمشاكله اليومية، من غلاء المعيشة إلى تدبير الأزمات المناخية، بدل متابعة صراعات سياسية لا تنعكس إيجاباً على واقعه.

تقف الأغلبية الحكومية أمام اختبار حقيقي قد يحدد مصيرها السياسي في السنوات المقبلة؛ فإما أن تنجح في تجاوز خلافاتها وتقديم نموذج متماسك في التدبير، أو تستمر في حالة الارتباك، بما يفتح الباب واسعاً أمام إعادة تشكيل المشهد السياسي بعد عامين. وبين هذا وذاك، تبدو المرحلة المقبلة محكومة بإيقاع متسارع من التحولات، تضع الفاعلين السياسيين أمام مسؤولية استعادة الثقة وضمان حد أدنى من الانسجام يخدم الاستقرار السياسي ويستجيب لانتظارات المواطنين.

المقال التالي