من النفط إلى الأسمدة.. كيف ستؤثر اضطرابات مضيق هرمز على أسعار السلع الأساسية في المغرب؟

لم تعد تداعيات التوتر في مضيق هرمز محصورة في فواتير الكهرباء والوقود، بل تجاوزتها لتطال سلاسل توريد الأسمدة والمواد الكيميائية والغازات النادرة، ما يضع الأسواق العالمية على أعتاب موجة تضخمية جديدة. ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، أصبح هذا الممر الحيوي نقطة ارتكاز لاهتزاز التجارة الدولية، حيث أدى تراجع عدد السفن العابرة إلى شلل جزئي في تدفقات السلع الأساسية، ما ينذر بانعكاسات مباشرة على أسعار المواد الغذائية والأدوية والتكنولوجيا في الأسواق المستوردة.
وتكشف معطيات نشرتها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» اليوم أن تعطل إمدادات النفط والغاز عبر المضيق لم يكن سوى البداية، إذ امتد التأثير سريعاً إلى قطاعات حيوية أخرى. فالعالم معتاد على تقلبات أسعار الطاقة، لكن ما يحدث اليوم مختلف، إذ طاول الاضطراب سلاسل إمداد الأسمدة التي يعتمد عليها الأمن الغذائي العالمي، خاصة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية حيث تتزامن الأزمة مع الموسم الزراعي الممتد من مارس إلى غشت.
ويُعد قطاع الأسمدة الأكثر تضرراً، نظراً لمرور نحو ثلث تجارته العالمية عبر مضيق هرمز واعتماده الكبير على المواد البتروكيماوية الخليجية. وأي اضطراب في هذه الإمدادات يعني ارتفاعاً في تكاليف الإنتاج الفلاحي، ومن ثم زيادة أسعار الخضر والفواكه والحبوب في الأسواق. وبالنسبة للمغرب، الذي يستورد جزءاً كبيراً من احتياجاته السمادية، فإن هذا السيناريو يهدد بتقويض جهود ضبط الأسعار خلال الأشهر المقبلة، خاصة في ظل ارتباط الأمن الغذائي باستقرار سلاسل التوريد الخارجية.
ولم تقف الأزمة عند الأسمدة، إذ امتدت تداعياتها إلى صناعات استراتيجية أخرى مثل التكنولوجيا والدواء، نتيجة تعطل إمدادات غاز الهيليوم القطري والمشتقات البتروكيماوية كالميثانول والإيثيلين. ويُستخدم الهيليوم في تبريد أجهزة الرنين المغناطيسي بالمستشفيات، كما يدخل في تصنيع الرقائق الإلكترونية التي تقوم عليها الهواتف الذكية ومراكز البيانات. أما المشتقات البتروكيماوية، فتشكّل المادة الخام الأساسية لصناعة الأدوية، ما يضع قطاع الصحة أمام تحدٍ جديد في ظل اعتماد الأسواق العالمية على مصانع الهند والصين التي تستورد موادها الأولية عبر الخليج.
وفي موازاة ذلك، يبرز الكبريت كمادة استراتيجية أخرى طالتها الاضطرابات، نظراً لاستخداماته المتعددة في الزراعة والصناعات التعدينية وإنتاج البطاريات. ويُعد هذا العنصر أساسياً في معالجة معادن النحاس والنيكل والليثيوم، التي تدخل في صناعة السيارات الكهربائية وألواح الطاقة الشمسية، ما قد يعيق تحول المغرب نحو الطاقات المتجددة في حال استمرار نقص الإمدادات.
على المستوى المحلي، يواجه الاقتصاد المغربي اختباراً حقيقياً لقدرته على حماية القدرة الشرائية للمواطنين من صدمات خارجية لا يتحكم في مسبباتها. فارتفاع أسعار الأسمدة سينعكس سلباً على تكاليف الإنتاج الفلاحي، وزيادة أعباء الشحن البحري سترفع فواتير استيراد المواد الاستهلاكية، في وقت لا تزال فيه آثار التضخم السابقة حاضرة في ذاكرة الأسر المغربية. كما أن المقاولات الوطنية، خصوصاً في قطاعي الصناعة التحويلية والخدمات، ستجد نفسها مضطرة إلى تمرير جزء من الزيادات في التكاليف إلى المستهلك النهائي، ما لم تتدخل آليات الدعم والتثبيت بفعالية أكبر.

تعليقات