من تسعينات القرن الماضي إلى اليوم… كيف دمرت القرارات العشوائية سوق المحروقات في المغرب

أصدرت الكونفدرالية الديمقراطية للشغل موقفًا رسميًا تدعو فيه رئيس الحكومة عزيز أخنوش إلى التدخل العاجل لوقف ما تصفه بـ”الاختلالات البنيوية والعميقة” في قطاع المحروقات، محذرة من تداعيات استمرار ارتفاع الأسعار على القدرة الشرائية للمغاربة وعلى الأمن الطاقي للبلاد، في ظل تقلبات الأسواق الدولية وتوترات جيوسياسية متصاعدة.
وأرجعت النقابة جذور الأزمة إلى سلسلة من الخيارات السياسية والاقتصادية المتراكمة على مدى عقود، بدءًا من خوصصة مساهمات الدولة في شركات توزيع المواد النفطية عام 1995، ثم خوصصة تكرير البترول عام 1997، وصولًا إلى تحرير أسعار المحروقات وإلغاء دعم صندوق المقاصة نهاية 2015. وترى الكونفدرالية أن هذه الإجراءات أضعفت قدرة الدولة على التحكم في السوق وفتحت المجال أمام اختلالات تؤثر على التوازن بين العرض والطلب.
وأشارت إلى أن هذه التحولات أدت إلى زيادة هشاشة السوق الوطنية أمام الصدمات الخارجية، حيث يكفي ارتفاع أسعار النفط عالميًا أو تعطّل سلاسل الإمداد البحرية لتنعكس الأزمة بسرعة على الأسعار المحلية أو المخزونات، كما حدث مطلع فبراير 2026، مما يهدد القدرة الشرائية للمواطنين ومقومات الأمن الطاقي للمملكة.
وذكرت النقابة أن الإجراءات الحكومية الحالية، سواء المرتبطة بالدعم الاستثنائي لمهنيي النقل أو بالدعم الاجتماعي للفئات الهشة، تبقى محدودة الأثر وغير كافية لمواجهة موجة الغلاء، خاصة مع ارتفاع معدلات البطالة، ما يزيد الفجوة بين السياسات المعلنة والواقع المعيشي ويضع الحكومة أمام اختبار حقيقي بشأن قدرتها على حماية التوازنات الاجتماعية.
وطالبت الكونفدرالية بإجراءات هيكلية تشمل إلغاء قرار تحرير أسعار المحروقات والعودة إلى تقنين الأسعار وفق آليات تضمن حماية المستهلك، معتبرة أن غياب شروط المنافسة وارتفاع الاحتكار وهوامش الأرباح يساهم في زيادات متكررة “تدمر القدرة الشرائية”. كما دعت إلى إعادة تنظيم القطاع عبر الفصل بين نشاط التخزين والتوزيع لتعزيز مراقبة المخزونات الاستراتيجية وبناء منظومة أكثر قدرة على الصمود أمام الصدمات الخارجية.
وأكدت على أهمية إعادة تشغيل مصفاة “سامير” واستئناف نشاط التكرير محليًا، لما لذلك من أثر على المخزونات، فرص التشغيل والتنمية المحلية، وتقوية السيادة الصناعية في مجال الطاقة. كما طالبت بمراجعة شاملة للإطار القانوني للقطاع الطاقي، مع تحديد واضح لأدوار الدولة والقطاع الخاص، وتأسيس وكالة وطنية لضبط وتقنين الطاقات.
وفيما يخص قطاع النقل، شددت النقابة على ضرورة إصلاح القوانين المنظمة له والقضاء على أشكال الريع والامتيازات، واعتماد “الغازوال المهني” لضمان استقرار المقاولات النقلية، محذرة من انعكاس أي أزمة طاقية على ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وختمت المذكرة بمطلب اجتماعي مباشر، يتعلق بالزيادة العامة في الأجور والمعاشات كآلية لمواجهة التضخم وغلاء المعيشة، معتبرة أن أزمة المحروقات لم تعد مجرد ملف قطاعي، بل قضية بنيوية تتقاطع فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
وتأتي هذه التحذيرات في سياق تقلبات أسعار النفط العالمية المرتبطة بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث أدى اضطراب الإمدادات وتهديد الممرات البحرية الاستراتيجية إلى موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار انعكست سريعًا على السوق الوطنية، مؤكدًا الحاجة لتدخلات حكومية هيكلية تتجاوز الحلول الظرفية.

تعليقات