المادة 4 من قانون حرية الأسعار تفضح صمت الحكومة أمام جشع فراقشية المحروقات وباقي المواد

في وقت تتصاعد فيه أسعار المحروقات والمواد الأساسية بشكل غير مسبوق، يعود النقاش بقوة حول دور الحكومة في حماية القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة في ظل وجود مقتضيات قانونية واضحة تخول لها التدخل المباشر لضبط السوق. غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة: نصوص قانونية صريحة تقابلها حالة من التردد أو الغياب الحكومي، ما يفتح الباب أمام انتقادات واسعة حول جدوى السياسات المتبعة.
القانون رقم 12.104 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة لا يترك مجالا للتأويل في هذا الباب، بل يمنح للإدارة صلاحيات واضحة للتدخل متى اختلت شروط المنافسة أو ظهرت اضطرابات في السوق. ففي المادة 3 ينص القانون بشكل صريح على أنه يمكن للإدارة تنظيم الأسعار، بعد استشارة مجلس المنافسة، في القطاعات التي تكون فيها المنافسة محدودة، سواء بسبب الاحتكار أو صعوبات التموين أو دعم بعض المواد أو حتى بفعل اختلالات هيكلية في السوق.
بعبارة أوضح، حين تغيب المنافسة الحقيقية—كما هو الحال في سوق المحروقات الذي تحوم حوله شبهات التواطؤ وارتفاع هوامش الربح—يصبح تدخل الحكومة ليس خيارًا سياسيًا، بل واجبًا قانونيًا.
أما المادة 4، فتذهب أبعد من ذلك، إذ تتيح للإدارة اتخاذ تدابير مؤقتة لتسقيف الأسعار في حال حدوث ارتفاع “فاحش” ناتج عن ظروف استثنائية أو وضعية غير عادية في السوق. وتسمح هذه المادة بتطبيق هذه الإجراءات لمدة تصل إلى ستة أشهر قابلة للتمديد، ما يعني أن القانون يضع بين يدي الحكومة آلية جاهزة للتدخل السريع عند الأزمات.
ورغم وضوح هاتين المادتين، فإن الحكومة تواصل نهج سياسة “المتفرج”، مكتفية بتبريرات مرتبطة بالسوق الدولية أو بتقلبات أسعار النفط، في حين يواجه المواطن المغربي موجة غلاء تضرب بشكل مباشر قوته الشرائية. فهل يعقل أن تكون النصوص القانونية متقدمة إلى هذا الحد، بينما تظل الإرادة السياسية غائبة عن تفعيلها؟
الواقع أن ترك السوق دون تدخل في ظل اختلالات بنيوية واضحة لا يمكن تفسيره فقط باعتبارات اقتصادية، بل يطرح تساؤلات عميقة حول مدى التزام الحكومة بحماية التوازنات الاجتماعية. فالمنافسة، التي يفترض أن تضبط الأسعار تلقائيًا، تبدو في العديد من القطاعات مجرد شعار، في ظل تمركز السوق بيد فاعلين محدودين، وهو ما يحول “حرية الأسعار” إلى عبء ثقيل على المواطن بدل أن تكون آلية لتحقيق العدالة.
أكثر من ذلك، فإن استمرار هذا الوضع يهدد بتحويل الأزمة من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى احتقان اجتماعي واسع، خاصة مع تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، دون إجراءات ملموسة تعيد التوازن للسوق أو تخفف الضغط عن الأسر.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط لماذا ترتفع الأسعار، بل لماذا لا تتدخل الحكومة رغم أن القانون يمنحها كل الصلاحيات؟. فبين نصوص واضحة وتطبيق غائب، تبقى القدرة الشرائية للمغاربة الحلقة الأضعف في معادلة تبدو مختلة، تحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار لدور الدولة كحامٍ للمواطن، لا كمراقب صامت لارتفاع الأسعار.

تعليقات