آخر الأخبار

بعد سحب دفعات معيبة.. مرضى الكزاز ينتظرون حلولًا عاجلة وسط غموض صحي

يتواصل في المغرب خصاص حاد في لقاح «طيطانوس» المضاد لمرض الكزاز، بعد قرار وزارة الصحة سحب كميات من هذا المصل الحيوي دون أن ترافقه إجراءات عملية لتعويض النقص. وقد انعكس هذا الوضع بشكل مباشر على توفر اللقاح داخل المستشفيات والصيدليات، خصوصاً في أقسام المستعجلات ومصحات القطاع الخاص، حيث بات المرضى وعائلاتهم في حالة ترقب تام.

وشهدت مستشفيات الدار البيضاء والرباط وفاس خلال الأيام الماضية توافد مواطنين تعرضوا لجروح وحوادث استدعت تطعيمهم ضد الكزاز، غير أنهم فوجئوا بغياب المصل في تلك المرافق، وفق شهادات استقتها الجريدة يوم أمس الأحد واليوم الاثنين. وامتد الإشكال ذاته إلى عدد من المصحات الخاصة والصيدليات التي أبلغت بدورها عن نفاد المخزون، مما وضع المصابين أمام وضع صحي مقلق، خاصة في الحالات المستعجلة التي لا تحتمل التأخير.

وجاء قرار السحب عقب إشعار من معهد باستور إلى الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، حيث تم رصد خلل تقني في «التغليف الأولي» المتمثل في الأمبولة الزجاجية للمستحضر الدوائي «المصل المضاد لذيفان الكزاز» بتركيز 1500 وحدة دولية. وأكد المعهد في مراسلاته أن هذا العيب لا يؤثر على سلامة المادة الفعالة أو فعاليتها، لكنه قد يشكل صعوبة في الفتح أمام الطواقم الطبية، مما استدعى سحب جميع حصص المستحضر من التداول.

وأصدرت وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تعليمات صارمة إلى المديريات الجهوية والمجموعات الصحية الترابية، تقضي بالوقف الفوري لصرف وتوزيع جميع دفعات المصل، وعزل الكميات المتبقية تمهيداً لإرجاعها إلى مستودع تدبير المخزون بمدينة برشيد. كما ألزم المعهد نفسه بتعويض الكميات المسحوبة بعبوات جديدة من نوع «OPC» صممت لتسهيل الفتح وتوفير معايير أمان أعلى للمهنيين الصحيين، وفق برنامج تسليم سيتم الاتفاق عليه مع الموزعين والصيادلة.

لكن عملية التعويض لم تنجز إلى غاية اليوم، وفق ما كشفت مصادر مطلعة، وهو ما تسبب في استمرار النقص الحاد داخل المستشفيات وأقسام المستعجلات. وتنص الوثائق الرسمية التي اطلع عليها الموقع على أن القرار استند إلى مراسلة الوكالة رقم «08RL/PMS/AMMPS» المؤرخة في 23 فبراير 2026، ومراسلة معهد باستور رقم «43/DSU/26» ذات التاريخ نفسه، إضافة إلى تعليمات الوزارة التي عممت على جميع المديرين الجهويين للصحة.

وانتقلت تداعيات الأزمة إلى الصيدليات الخاصة التي أصبحت غير قادرة على توفير المصل للمواطنين، مما زاد من معاناة المرضى الذين باتوا ينتقلون بين عدة صيدليات بحثاً عن جرعة قد لا يجدونها. وتشير معطيات مهنية إلى أن الطلب على اللقاح ارتفع خلال الأيام الأخيرة في ظل غياب أي تواصل رسمي حول موعد توفر البدائل المعلنة.

وتكتسي هذه الأزمة خطورة خاصة بالنظر إلى طبيعة مرض الكزاز الذي ينتج عن بكتيريا تدخل الجسم عبر الجروح الملوثة، وقد يؤدي في غياب التدخل العلاجي السريع إلى مضاعفات عصبية خطيرة تصل إلى حد الوفاة. ويعتبر المصل المضاد للذيفان الإجراء الوقائي الوحيد الفعال في الساعات الأولى بعد التعرض للإصابة، ما يجعل أي تأخير في توفيره بمثابة تهديد مباشر لحياة المرضى.

ورغم الطابع الاحترازي لقرار السحب الذي يندرج في إطار إجراءات اليقظة الدوائية، فإن غياب البديل الآمن وعدم تحديد آجال زمنية لتوفير اللقاحات الجديدة جعل المرضى والمهنيين الصحيين في حالة ترقب غير مسبوق. وتطرح هذه الأزمة مجدداً أسئلة واسعة حول منظومة التزود بالأدوية الحيوية في المغرب، ومدى قدرة المؤسسات الصحية على ضمان استمرارية العلاجات الأساسية في ظل الطوارئ التقنية أو التصنيعية.

ويبقى ملف مرضى الكزاز معلقاً بين ضرورة التدخل الوقائي العاجل وغياب البديل الآمن، في وقت ينتظر فيه المواطنون حلولاً عاجلة تنقذهم من الغموض الذي يلف المشهد الصحي الراهن.

المقال التالي