آخر الأخبار

أرقام الاستيراد تتضاعف وأسعار البيع لا تتراجع.. من يراقب ربح المحروقات في زمن النفط الروسي؟

تتوالى المعطيات الدولية التي ترسم ملامح تحول لافت في خريطة تدفقات الطاقة نحو المغرب، إذ كشفت تقارير متخصصة أن المملكة تصدّرت قائمة مستوردي الوقود ذي الأصل الروسي في شمال إفريقيا خلال السنة الماضية. ويأتي ذلك في وقت لا يزال فيه المستهلك المحلي أسير مفارقة مزعجة، تتمثل في استمرار أسعار المحروقات مرتبطة بتقلبات خام «برنت» العالمي، وكأن ما يحدث في محطات التكرير والاستيراد يجري في عالم موازٍ لا يصل إليه صدى الأسعار التفضيلية التي تستفيد منها تلك الشحنات.

وتعود جذور هذه المفارقة إلى بنية معقدة من الوسطاء والمسارات البحرية والترتيبات المالية، بدأت تتكشف ملامحها مع نشر صحيفة «إل باييس» الإسبانية، في يونيو من العام الماضي، تقريرًا أفادت فيه بأن وارداتها من الديزل المغربي بلغت مستويات قياسية، وسط شكوك متنامية حول منشأ روسي لذلك الوقود. وبعد عشرة أشهر، قدّمت منصة «أفريكا إنتليجنس»، يوم الاثنين الماضي، معطيات جديدة حسمت جزءًا من الجدل، مؤكدة أن المغرب أصبح، خلال عام 2025، أكبر مستورد للوقود الروسي في المنطقة، رغم العقوبات الأوروبية المشددة.

ويكشف التحقيق أن المحرك الرئيسي لهذه العمليات هو تاجر مقيم في جنيف يُدعى نييلز تروست، يدير شركة «باراماونت إنرجي أند كوموديتيس إس إيه»، وقد استغل إعادة تشكيل التدفقات الطاقية العالمية ليحوّل المملكة إلى مركز استراتيجي لتمرير الوقود القادم من موسكو. وتشير التقديرات إلى أن النفط الروسي يُباع بأسعار تقل بنحو 22 دولارًا للبرميل عن الأسعار المرجعية العالمية، بفعل العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي إثر الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022.

ولم تكتفِ دول الاتحاد الأوروبي بذلك، بل ذهبت، في أكتوبر من العام الماضي، إلى تشديد الإجراءات على القطاع الطاقي الروسي، حيث تضمّن القرار الجديد وقفًا كاملاً لواردات الغاز الطبيعي المسال بحلول نهاية عام 2026، إلى جانب استهداف ما بات يُعرف بـ«الأسطول الشبح» من ناقلات النفط التي تستخدمها موسكو للالتفاف على العقوبات. وقد رصدت وسائل إعلام إسبانية مرارًا وجود سفن مرتبطة بهذا الأسطول في المياه المغربية أو بالقرب منها، ما يعزز فرضية أن الرباط أضحت نقطة عبور رئيسية ضمن شبكة تجارية متشعبة.

غير أن تجاوز العقوبات لا يقتصر على الجانب اللوجستي فحسب، بل يتطلب أيضًا مشاركة مؤسسات مالية لتسهيل عمليات التحويل والدفع. وفي هذا السياق، تناولت «أفريكا إنتليجنس» دور كيانين مصرفيين مغربيين يُعتقد أنهما شاركا في هذه العمليات، وذلك بعد أن استبعد الاتحاد الأوروبي، منذ مارس 2022، عدة بنوك روسية كبرى من نظام المراسلات المالية «سويفت»، بهدف تقليص قدرة موسكو على تمويل حربها. ومع ذلك، يظل هذا الملف غائبًا عن أي تحقيق عمومي أو مساءلة برلمانية داخل المغرب.

وفي المشهد السياسي المحلي، اختفى الموضوع من دائرة النقاش، رغم حساسيته الجيوسياسية والاقتصادية. فقد فشلت مبادرة أحزاب المعارضة، التي أُطلقت في أبريل 2023، لتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في واردات الوقود الروسي، بعد انسحاب حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تاركة الساحة خالية من رقابة برلمانية تتعقب تفاصيل هذه الصفقات وهويات الأطراف المتعاملة معها.

ومن جانبها، قللت الحكومة المغربية، برئاسة عزيز أخنوش، من أهمية هذه الواردات، معتبرة أنها تظل محدودة ضمن إجمالي مزيج الطاقة الوطني. وكان المتحدث باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، قد أوضح، خلال مؤتمر صحفي في 2 مارس 2023، أن نسبة واردات الغازوال الروسي بلغت 9 في المئة عام 2020، ثم انخفضت إلى 5 في المئة عام 2021، قبل أن تعود إلى 9 في المئة عام 2022، مؤكدًا أن هذه الأرقام لا تعكس قفزات غير مألوفة.

غير أن المفارقة الأكثر إثارة تبرز على مستوى الأسواق الداخلية، حيث تواصل أسعار المحروقات المحلية ارتباطها الوثيق بمؤشرات الأسعار العالمية، دون أن تنعكس عليها الأسعار التفضيلية التي يستفيد منها النفط الروسي المستورد. وتفيد مصادر مهنية في قطاع الطاقة بأن جزءًا من هذه الشحنات يمر عبر وسطاء دوليين في مراكز تجارية كبرى، مثل جنيف ودبي، ما يعقّد مسار التتبع من المنبع إلى المستهلك النهائي، ويفتح المجال أمام هوامش ربح غير معلنة.

وتضيف المصادر ذاتها أن هذه الفوارق السعرية، التي تصل، في بعض التقديرات، إلى أكثر من 20 دولارًا للبرميل، لا تظهر لها آثار ملموسة على أسعار البيع للعموم، وهو ما يطرح إشكالات جوهرية تتعلق بشفافية سلاسل التوريد وهياكل هوامش الربح، خاصة في ظل غياب معطيات رسمية دقيقة ومعلنة بشأن كلفة الشراء الحقيقية وهويات الوسطاء الذين يتولون تسهيل هذه الواردات.

وفي هذا السياق، يضع الغموض المحيط بآليات التسعير المؤسسات الرقابية والقطاعات الحكومية المعنية أمام اختبار حقيقي، يتطلب تعزيز آليات التتبع والمراقبة، ليس فقط لضمان أمن التموين، بل أيضًا لضمان شفافية السوق وحماية القدرة الشرائية. ويظل الرهان قائمًا على تحقيق توازن دقيق بين تأمين الإمدادات الطاقية وضمان انتقال أي امتيازات سعرية محتملة إلى السوق الداخلية بشكل عادل وملموس.

وتبقى الأسئلة مفتوحة بشأن مدى استفادة السوق الوطنية من التحولات الجيوسياسية في قطاع الطاقة، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى تعزيز وضوح الرؤية لدى الرأي العام عبر نشر معطيات رسمية أكثر تفصيلًا حول كلفة الاستيراد الحقيقية، وهوية الأطراف المتعاملة، وكيفية احتساب الأسعار النهائية. وبين أرقام الاستيراد التي تتضاعف وأسعار البيع التي لا تتراجع، يظل ملف واردات الوقود الروسي إلى المغرب اختبارًا فعليًا لشفافية السياسات الطاقية، ومدى قدرة آليات المراقبة على تتبع الثروة الوطنية في واحدة من أكثر السلع حساسية وتأثيرًا في حياة المواطنين.

المقال التالي