اليماني لـ”مغرب تايمز”: تحرير المحروقات فشل و”سامير” خيار سيادي لا بديل عنه

دخلت زيادات جديدة في أسعار المحروقات حيز التنفيذ ابتداءً من منتصف ليلة الأحد إلى الاثنين، عقب توصل محطات الوقود بإشعارات رسمية تفيد برفع أثمنة البيع للعموم، في خطوة تُعمّق الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين، وتعيد الجدل حول فعالية آليات التسعير المعتمدة في السوق الوطنية.
وتأتي هذه الزيادات بعد أيام قليلة فقط من قفزة سابقة قاربت درهمين ونصف، خلّفت موجة استياء واسعة في الأوساط الشعبية والمهنية، خاصة في ظل الارتباك الذي طبع منتصف شهر مارس، حين شهدت محطات الوقود طوابير طويلة من المركبات، ترقباً لدخول الأسعار الجديدة حيز التطبيق، وهو ما عكس حالة ترقب وقلق من استمرار منحى الارتفاع.
ويرتقب أن يسجل سعر «الغازوال» زيادة إضافية تقدر بنحو درهمين وأربعين سنتيماً للتر الواحد، مقابل ارتفاع «البنزين» بنحو 1.44 درهم، في سياق زيادات متتالية خلال فترة زمنية وجيزة، تُعد غير مسبوقة في تاريخ القطاع. ويربط مهنيون هذه القفزات بالوضع الجيوسياسي المتوتر دولياً، خاصة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، وما ترتب عنها من اضطراب في أمن الممرات البحرية الاستراتيجية، وارتفاع التوقعات بشأن تجاوز سعر البرميل عتبة 120 دولاراً، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على السوق الوطنية المعتمدة كلياً على الاستيراد.
في هذا السياق، حذر الحسين اليماني، رئيس الجبهة الوطنية لإنقاذ «لاسامير»، من التداعيات الاقتصادية المتسارعة لارتفاع أسعار النفط، مؤكداً أن التطورات الدولية تعيد إلى الواجهة ضرورة امتلاك المغرب لقدراته الوطنية في مجالي التكرير والتخزين الطاقي. وأوضح، في تصريح خص به «مغرب تايمز»، أن ما يجري في الشرق الأوسط واستهداف البنيات الطاقية جعل أسعار النفط «لا تسمع اليوم إلا لصوت الصواريخ البالستية»، في إشارة إلى تغوّل العامل العسكري في تحديد اتجاهات السوق العالمية.
وساق اليماني معطيات رقمية تعكس حدة التحولات الجارية، إذ ارتفع سعر برميل نفط «برنت» منذ 28 فبراير من 73 دولاراً إلى نحو 114 دولاراً في 27 مارس، أي بزيادة تناهز 56 في المائة، فيما قفز سعر طن الغازوال من 730 دولاراً إلى حوالي 1400 دولار، بارتفاع يقارب 92 في المائة. وأبرز أن الفارق بين سعر النفط الخام والمنتجات المكررة يعكس القيمة المضافة لنشاط التكرير، حيث يناهز سعر لتر النفط الخام حالياً 6.7 دراهم، مقابل نحو 10.93 دراهم للتر الغازوال في السوق الدولية، بفارق يصل إلى 4.23 دراهم للتر الواحد.
وتترجم هذه الفجوة، وفق المتحدث ذاته، إلى كلفة اقتصادية ثقيلة؛ إذ إن احتساب هذا الفارق على أساس الاستهلاك الوطني، الذي يقارب سبعة مليارات لتر سنوياً من الغازوال، يفضي إلى رقم يناهز 30 مليار درهم، دون احتساب باقي المشتقات البترولية، من قبيل البنزين والفيول ووقود الطائرات. واعتبر اليماني أن هذه المعطيات «تفنّد عملياً الدعوات إلى التخلي عن تكرير البترول بالمغرب»، مبرزاً أن التحولات الجيوسياسية الراهنة تفرض مراجعة عميقة للسياسات الطاقية الوطنية.
وفي قراءة للآفاق القريبة، توقع اليماني مزيداً من التعقيد في السوق الوطنية، موضحاً أنه إذا كان سعر لتر الغازوال يناهز حالياً 11 درهماً في السوق الدولية، فإنه مرشح للارتفاع إلى حدود 18 درهماً في محطات التوزيع، بعد احتساب تكاليف النقل والضرائب وهوامش الربح. واعتبر أن هذا المستوى «لا ينسجم مع مستوى دخل غالبية المغاربة»، مشيراً إلى أن الدعم الاستثنائي الموجه لقطاع النقل لن يكون كافياً لاحتواء تداعيات الغلاء، ما يستدعي تدخلاً عمومياً أكثر نجاعة.
وفي هذا الإطار، دعا اليماني إلى مراجعة شاملة للخيارات المعتمدة، مقترحاً إلغاء قرار تحرير أسعار المحروقات المعتمد سنة 2015، ووضع سقف لهوامش أرباح شركات التوزيع، معتبراً أن تقارير مجلس المنافسة «لا تسمن ولا تغني من الجوع الطاقي». كما شدد على ضرورة تخفيض الضرائب المفروضة على المحروقات أو تعليقها مؤقتاً إلى حين انحسار الأزمة الدولية، أسوة بعدد من الدول الأوروبية، إلى جانب إعادة إحياء نشاط التكرير والتخزين عبر مصفاة المحمدية، من خلال تفويت أصولها للدولة في إطار المساطر القضائية ومقاصة الديون.
وبموازاة ذلك، دعا إلى اعتماد نظام «الغازوال المهني» لفائدة شركات النقل، وإعادة هيكلة القطاع بما يحد من اقتصاد الريع المرتبط بنظام المأذونيات، فضلاً عن مراجعة الإطار القانوني المنظم لقطاع الطاقة، بما يعزز الدور الرقابي للدولة. ويؤكد هذا التوجه أن حماية التوازنات الاجتماعية تظل رهينة بسياسات اقتصادية أكثر جرأة، قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، ودعم القدرة الشرائية عبر تحسين الدخل وتعزيز آليات الحماية الاجتماعية، والتصدي لممارسات الاحتكار والتحكم في الأسواق.

تعليقات