المغرب يعزز حضوره الأمني الدولي بإسقاط شبكة تمتد من أميركا إلى الشرق الأوسط

لم تعد المملكة المغربية مجرد حلقة عبور في سلسلة التهديدات الأمنية العابرة للقارات، بل أضحت فاعلا مركزيا في تفكيك شبكات الجريمة المنظمة التي تمتد خيوطها من غابات كولومبيا إلى وديان المكسيك، مرورا بمسارات التهريب الدولية. ففي عمليتين منفصلتين أشرفت عليهما السلطات القضائية الأميركية، كشفت وثائق رسمية عن دور محوري للأجهزة الأمنية المغربية في تقديم دعم استخباراتي ولوجستي، وصفه مسؤولون أميركيون بأنه «مساعدات جوهرية»، أسهمت في توقيف عناصر خطيرة كانت تربط بين كارتلات المخدرات وجماعات مسلحة.
وفي تفاصيل القضية الأولى التي نظرت فيها محكمة فيدرالية أميركية، تبين أن الشبكة كانت تُدار عبر امتدادات تربط الشرق الأوسط بأميركا الجنوبية، حيث أُدين أنطوان قاصيس، وهو رجل أعمال يحمل جنسيتين لبنانية وسورية، بتهم تتعلق بتمويل جماعة «جيش التحرير الوطني» الكولومبية من خلال صفقات أسلحة مقابل شحنات من الكوكايين. وتظهر المعطيات أن إدارة مكافحة المخدرات الأميركية اعتمدت بشكل أساسي على معلومات استخباراتية دقيقة وفرتها المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني والمديرية العامة للأمن الوطني، في إطار تنسيق أمني متواصل مكّن من تفكيك شبكة معقدة كانت تدير معاملات بملايين الدولارات عبر ثلاث قارات.
ويمتد هذا التنسيق إلى قضية ثانية عكست عمق الشراكة الأمنية بين الرباط وواشنطن، إذ أعلن مكتب المدعي العام الأميركي لمنطقة فرجينيا الشرقية، الأربعاء، أن عملية نوعية نفذتها المصالح المغربية أسفرت عن توقيف الكيني إليشا أوديامبو أسومو بمدينة الدار البيضاء. ويُعد هذا الأخير حلقة وصل رئيسية داخل شبكة دولية متخصصة في تزويد كارتل «خاليسكو نيو جينيريشن» المكسيكي بأسلحة ثقيلة، من بينها قاذفات صواريخ وأنظمة دفاع جوي، ضمن مخطط كان يستهدف تعزيز قدرات التهريب نحو الأراضي الأميركية.
وجرى توقيف المشتبه فيه في الثامن من أبريل من السنة الماضية، قبل استكمال إجراءات تسليمه إلى الولايات المتحدة في الحادي عشر من مارس، حيث مَثُل في اليوم الموالي أمام محكمة فيدرالية، لتُفتح بذلك مرحلة قضائية كشفت حجم التشابك الذي يطبع شبكات الجريمة العابرة للحدود، ويبرز في الآن ذاته أهمية العمل الاستخباراتي المشترك في تعقبها وتفكيكها. كما أظهرت هذه العملية قدرة الأجهزة المغربية على تنفيذ تدخلات دقيقة ومحكمة التوقيت، ما عزز موقع الرباط كشريك موثوق ضمن المنظومة الأمنية الدولية.
ويؤشر هذا المسار على تحول نوعي في تموقع المغرب، الذي انتقل من دائرة التأثر بالتهديدات إلى موقع المبادرة والتأثير في معادلات الأمن الدولي، مستندا إلى خبرة تراكمية في الرصد والاستباق، وإلى شراكات استراتيجية مع كبرى وكالات إنفاذ القانون، بما يكرس حضوره كفاعل أساسي في مواجهة شبكات تمزج بين الاتجار غير المشروع في المخدرات والأسلحة وتمويل الجماعات المسلحة.

تعليقات