54 ألف طن مقابل 5.58 ملايين دولار… المغرب يمنح روسيا حق الصيد في السواحل الأطلسية

دخلت العلاقات المغربية الروسية مرحلة جديدة من التموقع الاستراتيجي، بعد أن فعّلت موسكو رسميا حضورها داخل المياه الأطلسية للمملكة، عبر توزيع حصة صيد صناعي تبلغ 54 ألف طن من الأسماك البيلاجية الصغيرة، في إطار تنفيذ مخرجات الدورة الأولى للجنة المشتركة التي انعقدت بالرباط نهاية فبراير 2026.
ويأتي هذا القرار، الصادر عن الوكالة الفيدرالية الروسية لمصايد الأسماك في مارس الجاري، ليترجم على أرض الواقع اتفاق التعاون البحري الموقع بين البلدين في أكتوبر 2025، واضعا أسس شراكة تتجاوز البعد التقني إلى رهانات اقتصادية وجيوسياسية أوسع، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها النظام الدولي وتزايد التنافس على الموارد البحرية.
ووفق المعطيات الرسمية، تشمل الحصة الروسية أصنافا استراتيجية من الأسماك مثل السردين والسردينيلا والماكريل والأنشوفة، مع تحديد سقف شهري للصيد في حدود 20 ألف طن، وترخيص لا يتجاوز 10 سفن روسية ذات قدرات صناعية كبيرة، قادرة على المعالجة والتجميد في عرض البحر ،كما ينص الاتفاق على تشغيل ما بين 16 و18 بحارا مغربيا على متن كل سفينة، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستغلال الاقتصادي والانخراط المحلي.
في المقابل، سيحصل المغرب على تعويض مالي سنوي يناهز 5.58 مليون دولار مقابل ولوج الأسطول الروسي إلى المنطقة الأطلسية، يُحوّل إلى صندوق تنمية الصيد البحري، إلى جانب رسوم إضافية مرتبطة بقيمة الإنتاج ،غير أن هذا المقابل المالي يطرح، وفق متابعين، تساؤلات حول حجم القيمة المضافة الفعلية التي ستستفيد منها المملكة، خاصة وأن جزءا من عمليات التثمين يتم خارج التراب الوطني.
ولا يمكن قراءة هذا التطور بمعزل عن السياق الدولي، حيث تسعى روسيا، في ظل العقوبات الغربية، إلى تعزيز حضورها في الأسواق الإفريقية وتأمين سلاسل الإمداد الغذائي، فيما يعمل المغرب على تنويع شركائه الاستراتيجيين وتوسيع هامش مناورة سياسته الاقتصادية، خصوصاً بعد التوترات التي شابت علاقاته مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاقيات الصيد والفلاحة.
وًتعكس الأرقام الاقتصادية بدورها هذا التقارب المتسارع، إذ بلغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين نحو 2 مليار دولار، مع تسجيل نمو ملحوظ خلال 2025، مدفوعا أساسا بواردات مغربية من القمح والأسمدة والمواد الطاقية الروسية، مقابل صادرات مغربية تتركز في المنتجات الفلاحية والبحرية، ما يكشف عن علاقة اقتصادية متنامية لكنها غير متوازنة في بنيتها.
ويمتد التعاون بين الرباط وموسكو إلى مجالات علمية وتقنية، من خلال برامج مشتركة لمراقبة النظام البيئي البحري، وإطلاق بعثات بحثية خلال سنة 2026، إلى جانب تكوين الكفاءات المغربية عبر منح دراسية وتبادل الخبرات، في خطوة تعزز الطابع الاستراتيجي طويل الأمد لهذه الشراكة.
هذا، فالأمر لا يتعلق الأمر فقط باتفاق صيد بحري، بل بإعادة رسم ملامح حضور دولي جديد في السواحل الأطلسية المغربية، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع حسابات النفوذ، وتتحول الموارد البحرية إلى ورقة ضمن لعبة دولية مفتوحة على كل الاحتمالات.

تعليقات