انعدام الشعبية والخوف من المواجهة يبعد العشرات من زعماء الأحزاب عن انتخابات 2026

في مشهد سياسي يزداد إثارة للقلق، تكشف معطيات متداولة عن واقع متردٍّ يطبع أداء عدد من الأحزاب، التي تحولت من مؤسسات للتأطير والتنافس الديمقراطي إلى مجرد هياكل فارغة، لا وظيفة لها سوى استهلاك الدعم العمومي وإعادة إنتاج نفس الوجوه.
وحسب معطيات متداولة، فإن 24 أمينا عاما لأحزاب سياسية يفضلون عدم الترشح للانتخابات التشريعية لسنة 2026، في مؤشر لا يمكن فصله عن ضعف امتدادهم الشعبي وعجزهم عن كسب ثقة الناخبين. وضع يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدوى استمرار قيادات لم تحقق أي حضور انتخابي يُذكر طيلة سنوات.
الأخطر من ذلك أن هذه التنظيمات، بدل أن تقوم بمراجعة ذاتية جادة، اختارت الاستمرار في نفس الأساليب البالية، عبر نسخ برامج انتخابية قديمة وإعادة تدويرها، مع تغييرات شكلية لا تمس الجوهر. في المقابل، ينصبّ الاهتمام أساساً على كيفية الظفر بنصيب أكبر من أموال الدعم العمومي، سواء عبر مؤتمرات شكلية أو دراسات تفتقر لأي أثر ملموس.
وتزداد الصورة قتامة مع استمرار مظاهر غياب الديمقراطية الداخلية، حيث تحولت بعض الأحزاب إلى ما يشبه الملكيات الخاصة، تدار بمنطق الولاء لا الكفاءة. مؤتمرات صورية تفصل على المقاس، وولايات تمدد بشكل متكرر لنفس القيادات، في تجاهل واضح لمبدأ التداول، ما يكرس الجمود ويغلق الباب أمام الكفاءات الشابة.
هذا الوضع لم يكن دون كلفة، إذ أدى إلى نفور واسع في صفوف الشباب، الذين فقدوا الثقة في العمل الحزبي، وابتعدوا عن المشاركة السياسية، سواء عبر الانخراط أو حتى التسجيل في اللوائح الانتخابية. فالصورة النمطية التي ترسخت عن أحزاب بلا تأثير ولا مصداقية أصبحت عائقاً حقيقياً أمام تجديد النخب.
ورغم هذا الفشل المتراكم، يواصل بعض الأمناء العامين تسويق صورة مغايرة عن نشاطهم، عبر لقاءات مناسباتية لا تتجاوز حدود الشكل، أو حضور إعلامي لا يعكس أي وزن سياسي فعلي. نشاط يُقدَّم كإنجاز، بينما يخفي في العمق فراغاً سياسياً واضحاً.
انعكاسات هذا الواقع لا تقف عند حدود الأحزاب، بل تمتد إلى تدبير الشأن المحلي، حيث ساهم التشتت الحزبي وضعف التأطير في خلق اختلالات داخل المجالس الترابية، عطّلت مشاريع تنموية وأدت إلى هدر موارد مالية دون تحقيق الأهداف المرجوة.
أمام هذا الوضع، تبرز الحاجة إلى إصلاح عميق يعيد الاعتبار للممارسة السياسية، من خلال مراجعة الإطار القانوني المنظم للأحزاب، وفرض معايير تربط الدعم العمومي بالنجاعة والتمثيلية الحقيقية، مع ضمان التداول على القيادة وفتح المجال أمام الطاقات الجديدة.
إن استمرار هذا النموذج الحزبي لم يعد مجرد اختلال عابر، بل تحول إلى معضلة بنيوية تهدد ثقة المواطنين في العمل السياسي، ما يستدعي تحركاً عاجلاً لإعادة بناء المصداقية قبل أن تتسع فجوة العزوف أكثر.

تعليقات