كيف حوّل المغرب لوبي واشنطن إلى سلاح حاسم وترك الجزائر في موقع الخاسر؟

في العاصمة الأمريكية، حيث تتقاطع مصالح الدول مع مراكز القرار، يخوض المغرب والجزائر معركة نفوذ غير متكافئة الأبعاد. وتكشف المعطيات المستقاة من مركز «أوبن سيكريتس»، التي اطلعت عليها «مغرب تايمز»، المرجع المستقل في تتبع تدفقات أموال التأثير السياسي بواشنطن، عن ملامح تفوق واضح للرباط على نظيرتها الجزائر، ليس فقط من حيث حجم الإنفاق، بل أيضاً في هندسة استراتيجية الضغط ذاتها.
رفعت المملكة ميزانيتها المخصصة لأنشطة اللوبي بشكل مطرد خلال السنوات الأخيرة، مسجلة 3.49 ملايين دولار خلال العام الجاري، مقابل 3.37 ملايين في 2024، وأكثر من 1.7 مليون في 2023. غير أن هذا المستوى يظل دون الذروة المسجلة سنة 2021، حين تجاوز الإنفاق 14 مليون دولار. وجاءت تلك القفزة في سياق دقيق أعقب إعلان الإدارة الأمريكية اعترافها بسيادة المغرب على صحرائه في العاشر من ديسمبر، وهو التحول الذي شكّل نقطة مفصلية في مسار الملف، ودفع الرباط إلى تكثيف جهودها لتثبيت مكاسبها في ظل التحولات السياسية التي شهدها البيت الأبيض لاحقاً.
هذا التوجه لم يقتصر على رفع الإنفاق، بل امتد إلى إعادة هيكلة أدوات التأثير بشكل شامل. فقد أنهت الرباط تعاقدها مع مكتب «جيه بي سي ستراتيجيز» المرتبط بمقرب من السيناتور الجمهوري تيد كروز، واتجهت نحو تنويع شراكاتها عبر التعاقد مع أربع شركات متخصصة: «يوركتاون سوليوشنز»، «براونشتاين هيات»، «هولي ستراتيجيز» و«أكين غامب». ومكّن هذا التنويع من توسيع دائرة النفوذ لتشمل قنوات متعددة داخل المشهد السياسي الأمريكي، بما يعكس وعياً استراتيجياً مبكراً بأهمية توزيع الرهانات. وبلغت قيمة الالتزامات المالية في هذا الإطار خلال 2022 نحو 5.86 ملايين دولار، في وقت واصلت فيه إدارة جو بايدن عدم التراجع عن القرار الذي اتخذه سلفه دونالد ترامب، رغم الضغوط التي مارسها السيناتور جيمس إنهوف قبل وفاته في التاسع من يوليو من العام الماضي.
في المقابل، تكشف معطيات الإنفاق التي حصلتها «مغرب تايمز» أن الجزائر تعتمد مقاربة أكثر تحفظاً، إن لم تكن متأخرة استراتيجياً. فقد خصصت في 2025 نحو 660 ألف دولار لأنشطة الضغط، وهو رقم يفوق 240 ألف دولار المسجلة في 2024، لكنه يظل محدوداً مقارنة بالمستويات المغربية التي تتجاوزه بأضعاف. كما أن غياب أي إنفاق رسمي في هذا المجال خلال 2023 يعكس تأخر الانخراط في هذا المسار، قبل أن تحاول الجزائر تدارك الوضع عبر توقيع عقد، في سبتمبر 2024، مع مكتب «بي جي آر غروب» المعروف بعلاقاته داخل الأوساط الجمهورية ودوائر قريبة من إسرائيل، مع تمديد الاتفاق إلى غاية التاسع من سبتمبر 2026. ورغم ذلك، يبقى هذا التحرك محدوداً أمام البنية المتعددة التي يعتمدها المغرب عبر أربعة مكاتب ضغط متخصصة.
على المستوى التشريعي، تعززت وضعية المغرب مع تراجع الحضور الداعم لجبهة البوليساريو داخل الكونغرس، خاصة بعد غياب جيمس إنهوف، الذي كان يشكّل أحد أبرز الأصوات المؤيدة لها. وفي المقابل، برز زخم متصاعد لصالح الرباط، تجسّد في طرح مقترحين داخل الكونغرس يرميان إلى تصنيف البوليساريو كمنظمة إرهابية، على غرار حزب الله والحرس الثوري الإيراني. كما تحولت «مجموعة العمل الخاصة بالمغرب» إلى منصة نشطة للدعم الثنائي، بقيادة النائب الديمقراطي براد شنايدر والجمهوري جو ويلسون، في حين تراجع نشاط المجموعة المساندة للبوليساريو إلى مستويات شبه منعدمة، في مؤشر واضح على تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.
بموازاة ذلك، يستفيد المغرب من دعم «مجموعة عمل اتفاقيات إبراهيم»، التي تضم 55 عضواً من الحزبين داخل الكونغرس، ما يوسّع نطاق حضوره من ملف إقليمي إلى شبكة تحالفات دولية أوسع. وتبقى أنشطة الضغط في الولايات المتحدة ممارسة قانونية يكفلها التعديل الأول للدستور، وتتيح لمختلف الأطراف التأثير في صناع القرار، غير أن الأرقام المعلنة لا تعكس بالضرورة كل قنوات التأثير غير الرسمية. ومع ذلك، تكفي المؤشرات المتاحة لرسم صورة فجوة نفوذ آخذة في الاتساع، حيث يواصل المغرب استثمار اعتراف 2020 في بناء تموقع مؤسساتي دائم، بينما تتحرك الجزائر في سباق متأخر تفرض إيقاعه معادلات لا تحتمل التردد.

تعليقات