أزمة مضيق هرمز تضع OCP في الواجهة.. من فاعل صناعي إلى ضامن للأمن الغذائي العالمي

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعيد تشكيل خريطة الاقتصاد العالمي، بات واضحًا أن دقائق معدودة قد تكفي لقلب موازين القوة داخل قطاعات حيوية، وفي مقدمتها الصناعات الغذائية. فما إن أُغلق أحد أكثر الممرات المائية ازدحامًا في العالم، حتى انقلبت معادلات المنافسة الإقليمية رأسًا على عقب، دافعةً بفاعل إقليمي إلى الواجهة بوتيرة لم تكن في الحسبان.
في هذا السياق، لم تكن تداعيات إغلاق مضيق هرمز مجرد خبر اقتصادي عابر، بل مثّلت صدمة عميقة أصابت سلاسل التوريد العالمية في الصميم. ففي العاصمة الرياض، توقفت أنشطة عملاق التعدين السعودي «معادن»، الذي يُعد أحد أبرز أعمدة «رؤية 2030»، ودخلت مصانعه للفوسفات والأمونياك في حالة شلل شبه تام. وبالتوازي، ظلت الناقلات المحمّلة بالمدخلات الحيوية عالقة في الموانئ الخليجية، في مشهد عكس هشاشة البنية اللوجستية الدولية أمام الصدمات الجيوسياسية.
هذا الاضطراب لم يتأخر في الانعكاس على الأسواق، إذ شهدت أسعار الأمونياك قفزات حادة في وقت وجيز، وسط موجة ذعر اجتاحت المتعاملين. ومع إدراك الفاعلين أن اختلال إمدادات الأسمدة يعني تهديد الإنتاج الزراعي بشكل مباشر، تحولت الأنظار نحو بدائل قادرة على ملء الفراغ، لتتجه بوصلة السوق نحو المغرب، وتحديدًا نحو الدار البيضاء، حيث المقر الرئيسي للمكتب الشريف للفوسفات.
عند هذه النقطة، برز «OCP» بصفته الفاعل القادر على الاستمرار في مشهد دولي مضطرب. فالمغرب، الذي يمتلك نحو 70 في المائة من الاحتياطي العالمي للفوسفات، وجد نفسه في موقع استراتيجي يؤهله للتأثير المباشر في استقرار الأسواق الزراعية. ومع تعثر المنافسين، رفعت وحدات «الجيوفوسفات» من وتيرة إنتاجها إلى أقصى الحدود في محاولة لاستيعاب الطلب المتزايد، بينما تزايدت طلبات الشراء من مختلف أنحاء العالم بوتيرة غير مسبوقة.
غير أن هذه الفرصة الاستثنائية كشفت، في الآن ذاته، عن مفارقة بنيوية دقيقة. فصناعة الأسمدة المركبة لا تعتمد على الفوسفات وحده، بل ترتكز بشكل حاسم على الأمونياك، وهو مكوّن ظل المغرب يستورده بكميات كبيرة من منطقة الخليج نفسها. ومع تعطل الإمدادات، برزت فجوة حقيقية بين القدرة الإنتاجية النظرية والقيود الواقعية المفروضة على سلاسل التوريد.
هذا التداخل وضع المملكة أمام اختبار معقد؛ فمن جهة، تتجه الأسواق العالمية للاعتماد على «OCP» كفاعل قادر على ضمان استمرارية الإمدادات، ومن جهة أخرى، تفرض ندرة المدخلات الأساسية حدودًا موضوعية على الاستجابة الكاملة للطلب. ورغم أن المخزونات الاستراتيجية قد توفر متنفسًا مؤقتًا، فإن استمرار الأزمة ينذر بتقليص الإنتاج في لحظة تبلغ فيها الحاجة العالمية ذروتها.
وتزداد حساسية هذا الوضع بالنظر إلى طبيعة الالتزامات التعاقدية التي تربط «OCP» بشركائه الدوليين، حيث قد يترتب عن أي إخلال بها كلفة على مستوى الثقة والتموقع داخل السوق العالمية. غير أن هذه الضغوط نفسها سرّعت إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، إذ تحوّل مشروع «الأمونياك الأخضر» من خيار مستقبلي إلى ضرورة آنية تفرضها اعتبارات السيادة الصناعية.
في هذا الإطار، يعمل المكتب الشريف للفوسفات على تسريع استثمارات بمليارات الدولارات، مستفيدًا من المؤهلات الطبيعية التي يزخر بها المغرب في مجال الطاقات المتجددة. ويستهدف هذا التوجه إنتاج الهيدروجين، ثم الأمونياك محليًا، بما يقلّص التبعية للغاز الطبيعي المستورد ويعزز استقلالية المنظومة الصناعية الوطنية.
هذا التحول لم يمر دون أن يفتح آفاقًا جديدة للتعاون الدولي، خاصة مع أوروبا، وفي مقدمتها ألمانيا، التي تبحث عن شركاء موثوقين في مجال الهيدروجين الأخضر. وهكذا، تحوّلت الأزمة من عامل اضطراب إلى رافعة لتسريع بناء منظومة صناعية وطاقية مغربية أكثر تماسكًا وقدرة على الصمود.
ضمن هذا المسار، يتكرّس تحول نوعي في موقع المغرب داخل الاقتصاد العالمي؛ حيث لم يعد دوره مقتصرًا على تصدير المواد الخام، بل امتد ليشمل الإسهام في ضبط توازنات حيوية تمس الأمن الغذائي العالمي. ومع تسارع التحولات، تتبلور ملامح نموذج صناعي أكثر استقلالية، قائم على التحكم في سلاسل القيمة، وعلى توظيف الأزمات بوصفها رافعة لإعادة بناء عناصر القوة الاستراتيجية.

تعليقات