“فواتير الحرب” تضغط اقتصادياً على العرب.. خسائر بـ63 مليار دولار في أسبوعين فقط

كشفت معطيات أممية حديثة عن حجم غير مسبوق من الخسائر الاقتصادية التي تتحملها المنطقة العربية جراء التصعيد العسكري المستمر، وما ينجم عنه من تداعيات متسارعة على مختلف القطاعات. وترسم الأرقام صورة مقلقة لأوجاع بنيوية تطال أسواق الطاقة والتجارة البحرية والملاحة الجوية، في وقت تواصل فيه المنطقة تحركاتها على وقع توترات جيوسياسية حادة.
وبحسب تقرير صادر عن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا «إسكوا» الثلاثاء، فإن الخسائر الاقتصادية التي تكبدتها الدول العربية خلال الأسبوعين الأولين فقط من التصعيد تجاوزت 63 مليار دولار، بما يمثل 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الإقليمي. ويعكس هذا الرقم، الصادر يوم الثلاثاء، حجم الضغط الفوري على اقتصادات يعاني بعضها هشاشة بنيوية، وترتبط في مجملها بمنظومة مالية وتجارية شديدة الحساسية لأي اضطراب أمني.
وتوقعت «إسكوا»، في تقريرها الموسوم ب «الصراع وتداعياته: تصاعد حدة الأزمة في المنطقة العربية»، أن تتفاقم التداعيات إذا امتدت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران شهراً واحداً فقط، إذ قد ترتفع الخسائر إلى 150 مليار دولار، أي نحو 3.7 في المائة من إجمالي الناتج الإقليمي. وتضم اللجنة في عضويتها 21 دولة عربية، من بينها دول الخليج ومصر والمغرب والأردن ولبنان واليمن.
وأشار التقرير إلى أن دول الخليج تتحمل الحصة الأكبر من الخسائر الاقتصادية والمالية، في مقابل مواجهة الدول العربية المستوردة للطاقة موجة تضخم متصاعدة وزيادة في كلفة واردات الوقود، فضلاً عن ضغوط إضافية على ميزانياتها العامة. وفي هذا السياق، يُتوقع أن تسجل اقتصادات الخليج انكماشاً بنسبة 5.5 في المائة، مقابل تراجع إجمالي الناتج المحلي للدول العربية الأخرى بنحو 33 مليار دولار، وبنسبة مماثلة تبلغ 1.6 في المائة.
وفي قطاع الطاقة، استندت تقديرات «إسكوا» إلى فرضية انخفاض حاد في إنتاج النفط بالدول المتضررة بمعدل 20 مليون برميل يومياً خلال الأسبوعين الأولين، نتيجة شلل لوجستي أصاب ممرات التصدير الرئيسية. كما أدت حالة الارتباك في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خصوصاً من قطر التي تغطي 19 في المائة من الطلب العالمي، إلى ارتفاع قياسي في أسعار الغاز بأوروبا بلغ 80 في المائة، وسط مخاوف من انقطاع طويل الأمد في سلاسل التوريد.
وسجل التقرير تراجعاً حاداً في حركة الشحن عبر مضيق هرمز بنسبة 97 في المائة، إذ انخفض عدد السفن الواصلة إلى موانئ المنطقة من 137 سفينة يومياً إلى خمس سفن فقط، ما أدى إلى تعطّل تدفقات بضائع تُقدّر قيمتها بنحو 2.4 مليار دولار يومياً، بالتزامن مع ارتفاع كبير في أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب. وبلغت الخسائر التجارية التراكمية خلال أسبوعين نحو 30 مليار دولار، مع قابلية للارتفاع إلى 60 ملياراً في حال استمرار التصعيد لمدة شهر.
وفي قطاع الملاحة الجوية والسياحة، الذي اعتبره التقرير الأكثر تضرراً، أُلغيت أكثر من 19 ألف رحلة جوية في تسعة مطارات إقليمية رئيسية خلال اثني عشر يوماً فقط، فيما قُدّرت الخسائر الأولية لشركات الطيران بنحو 1.9 مليار دولار، مرشحة للارتفاع إلى 3.6 مليار دولار إذا استمرت الأزمة شهراً. كما اضطرت شركات الطيران الكبرى إلى تغيير مساراتها، ما زاد من استهلاك الوقود وأطال زمن الرحلات، في حين تراوح تراجع أعداد السياح بين 10 و95 في المائة بحسب الدولة.
وحذّر التقرير من تفاقم الاحتياجات الإنسانية، مشيراً إلى أن 82 مليون شخص في المنطقة العربية يحتاجون إلى مساعدات، فيما يعيش 210 ملايين، أي 43 في المائة من السكان، في مناطق متأثرة بالنزاعات، وهو ما يحدّ من قدرة الدول على امتصاص صدمات اقتصادية إضافية.
وخلصت «إسكوا» إلى سيناريوهين مرجعيين يختلفان من حيث مدة التصعيد وشدته؛ يفترض الأول استمراره لشهر، بينما يمتد الثاني إلى تصعيد إقليمي لعام كامل. ويعكس هذان المساران تدرج الأزمة من اضطرابات تشغيلية محدودة إلى ضغوط اقتصادية إقليمية واسعة، وصولاً إلى اختلال شامل قد يطال أنظمة بأكملها، مع بقاء احتمال السيناريو الأسوأ محدوداً في الوقت الراهن، رغم ما يحمله من تداعيات قد تهدد استقرار النظام العالمي وتفرض تنسيقاً دولياً عاجلاً.

تعليقات