فضيحة العقار الصناعي.. برلمانيون يحولون مناطق الاستثمار إلى “ريع مقنن”

في وقت تراهن فيه الدولة على تسريع وتيرة الاستثمار الصناعي وتحفيز التنمية الاقتصادية، تكشف معطيات مقلقة عن اختلالات عميقة في تدبير العقار المخصص للمناطق الصناعية، بعدما تحوّل هذا الورش الاستراتيجي في بعض الحالات إلى مجال للريع والمضاربة بدل أن يكون رافعة للإنتاج وخلق فرص الشغل.
وتفيد المعطيات المتداولة أن برلمانيين ومنتخبين كبارا تمكنوا من الحصول على بقع أرضية داخل مناطق صناعية بطرق تثير الكثير من علامات الاستفهام، رغم أن بعضهم لا تربطه أي صلة بالقطاع الصناعي، حيث ينشطون في مجالات أخرى كالفلاحة أو الصيد البحري. وبمجرد حصولهم على هذه العقارات، عمدوا إلى إعادة بيعها أو المضاربة فيها لتحقيق أرباح مالية، في سلوك يتنافى مع الأهداف التي أُحدثت من أجلها هذه الفضاءات الاقتصادية.
هذا الوضع لم يمر دون تداعيات، إذ أدى إلى حرمان عدد من المستثمرين الحقيقيين من الولوج إلى العقار الصناعي، ما انعكس سلبا على دينامية الاستثمار في عدد من المدن، خاصة في أقطاب اقتصادية كبرى. كما ساهم في تعطيل مشاريع كان من شأنها خلق فرص شغل وتحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
وفي مواجهة هذه الاختلالات، برز تحرك رسمي من خلال الجولات الميدانية التي باشرتها كتابة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية، والتي مكنت من رصد حجم التجاوزات، إلى جانب تلقي شكايات متعددة تفضح تورط أسماء وازنة في الاستفادة غير المشروعة من هذا العقار. وتشير المعطيات إلى توجه نحو سحب عدد من هذه البقع من المستفيدين الذين لم يلتزموا بإقامة مشاريع استثمارية، مع إمكانية فتح تحقيقات وإحالة الملفات على القضاء المختص في جرائم الأموال.
على المستوى السياسي، دخلت المؤسسة التشريعية على الخط، حيث طُرحت تساؤلات حول استمرار ما يُوصف بـ“الريع العقاري” داخل المناطق الصناعية، في وقت يجد فيه المستثمرون صعوبة في الحصول على فضاءات ملائمة لإقامة مشاريعهم. كما تمت الدعوة إلى تشديد المراقبة وتفعيل آليات المحاسبة لضمان توجيه هذا العقار نحو الأهداف الحقيقية التي أُنشئ من أجلها.
ويأتي هذا الجدل رغم اعتماد إطار قانوني جديد ينظم المناطق الصناعية، يهدف إلى تحسين حكامتها وتثمينها وتعزيز جاذبيتها للاستثمار، غير أن التحدي الأكبر يظل في تنزيل هذه المقتضيات على أرض الواقع، خاصة في ظل تسجيل تأخر في إحداث وتطوير هذه المناطق ببعض الأقاليم.
وتعيد هذه التطورات طرح سؤال الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، في قطاع حيوي يشكل أحد مفاتيح الإقلاع الاقتصادي، وسط مطالب متزايدة بضرورة القطع مع اقتصاد الامتيازات، وضمان تكافؤ الفرص أمام المستثمرين، بما يخدم التنمية الشاملة ويعزز الثقة في مناخ الأعمال.

تعليقات