آخر الأخبار

بعد إغلاق مضيق هرمز.. هل تبيع شركات المحروقات في المغرب المخزون القديم بالأسعار الجديدة؟

تعيش الساحة الطاقية بالمغرب على وقع جدل محتدم بعد الزيادة الفورية التي أقرتها شركات توزيع المحروقات بدرهمين للتر الواحد، تزامناً مع تصاعد التوترات في منطقة الخليج وإغلاق مضيق هرمز. غير أن ما يثير حيرة المراقبين والمواطنين هو التساؤل المشروع حول مصير المخزون الاحتياطي الاستراتيجي الذي يفترض أن يحمي السوق الوطنية من التقلبات العالمية الحادة.

الاثنين، ومع منتصف ليلة السادس عشر من مارس، فوجئ المغاربة بقرار شركات التوزيع رفع الأسعار بشكل فوري، وكأن البلاد لا تملك مخزوناً استراتيجياً قادراً على امتصاص الصدمة. هذا السيناريو يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى التزام هذه الشركات بالمقتضيات القانونية المنظمة للمخزون الاحتياطي، والتي تنص على توفير كميات تكفي الاستهلاك الوطني لمدة 60 يوماً.

لغز مخزون الستين يوماً.. هل تباع الكميات القديمة بالأسعار الجديدة؟

ينص القانون رقم 71-09 الصادر سنة 1971 على إلزامية توفر شركات التوزيع على مخزون احتياطي يغطي احتياجات السوق لمدة 60 يوماً. غير أن التطبيق الفوري للزيادة مع أول ارتفاع عالمي يثير شبهة قوية حول مصير هذا المخزون. فمن الناحية المنطقية، كان يفترض أن تستمر الشركات في بيع الكميات المخزنة مسبقاً بالأسعار القديمة إلى حين استنفادها.

لكن ما يجري في الواقع يفتح باب الشكوك على مصراعيه. فسرعة انتقال الزيادات إلى محطات الوقود توحي بأن السوق يتعامل مع المخزون كما لو أنه غير موجود أصلاً، أو أن الكميات المخزنة يتم تسويقها وفق الأسعار الجديدة، وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً حول شفافية منظومة التخزين الاستراتيجي في قطاع المحروقات بالمغرب.

ومع إغلاق مضيق هرمز، وهو شريان طاقي عالمي يمر عبره ما يقارب ثلث إنتاج النفط في العالم، دخلت الأسواق الدولية مرحلة ارتباك حاد. غير أن معطيات متداولة من مصادر مطلعة تشير إلى أن المخزون الاحتياطي للغازوال لدى بعض الشركات قد لا يتجاوز 30 يوماً فقط، وهو ما يعني أن أي زيادة في الأسعار قبل انقضاء 60 يوماً قد تشكل خرقاً واضحاً للمقتضيات القانونية المنظمة للسوق.

قانون صارم على الورق.. وغرامات تنتظر من يخرق القواعد

في حال ثبوت عدم احترام الشركات لواجب توفير مخزون احتياطي يغطي 60 يوماً من الاستهلاك الوطني، فإن القانون رقم 255-72-1 الصادر سنة 1973 يمنح الدولة صلاحية التدخل لفرض غرامات مالية على المخالفين.

وتنص المقتضيات القانونية على فرض غرامة قدرها خمسة دراهم عن كل متر مكعب من الكمية التي كان يفترض تخزينها لتغطية 60 يوماً من الاستهلاك، مضروبة في عدد أيام العجز المسجلة. غير أن الإشكال المطروح لا يتعلق فقط بوجود النص القانوني، بل بمدى تفعيل هذه العقوبات على أرض الواقع، في ظل غياب أي إعلان رسمي عن مراقبة مستويات المخزون لدى شركات التوزيع.

وهنا يبرز سؤال محوري يتردد بقوة داخل الأوساط الاقتصادية: هل تخضع شركات المحروقات فعلاً لرقابة صارمة على مخزونها الاحتياطي، أم أن الأمر يظل مجرد التزام نظري لا يجد طريقه إلى التطبيق الفعلي؟

«لاسامير».. القصة التي تختصر أزمة السيادة الطاقية

في قلب هذا النقاش يعود ملف مصفاة «لاسامير» بالمحمدية إلى الواجهة باعتباره أحد أبرز رموز التحول الذي عرفه القطاع الطاقي في المغرب خلال العقد الأخير. فإغلاق هذه المصفاة لم يكن مجرد توقف صناعي عابر، بل تحول إلى محطة مفصلية فقدت معها البلاد أداة استراتيجية للتحكم في جزء مهم من أمنها الطاقي.

لو كانت «لاسامير» تعمل اليوم، لكان المغرب قادراً على استيراد النفط الخام وتكريره محلياً، وهو ما كان سيسمح ببناء مخزون استراتيجي أكبر يمتد لعدة أشهر، بدل الاعتماد شبه الكامل على استيراد المنتجات المكررة من الأسواق الدولية.

هذا التحول جعل السوق الوطنية أكثر عرضة للتقلبات العالمية، كما منح شركات التوزيع الكبرى هامشاً أوسع للتأثير في مسار الأسعار داخل السوق المحلية.

صمت رسمي يفتح باب الشكوك

ما يزيد من تعقيد المشهد هو الصمت اللافت الذي يطبع مواقف المؤسسات الرسمية. فالحكومة لم تقدم إلى حدود الساعة توضيحات دقيقة حول مستويات المخزون الاحتياطي المتوفر فعلياً في السوق الوطنية، كما لم يصدر عن «مجلس المنافسة» أي موقف واضح بخصوص الزيادات المتزامنة التي أعلنتها مختلف شركات التوزيع.

هذا التزامن في القرارات يثير تساؤلات حول طبيعة المنافسة داخل القطاع، ويغذي الشكوك حول احتمال وجود تنسيق غير معلن في تحديد الأسعار، وهو أمر ظل محور نقاش واسع داخل الأوساط الاقتصادية منذ تحرير أسعار المحروقات في المغرب.

المواطن المغربي.. الحلقة الأضعف في معادلة الطاقة

وسط هذه المعادلات الاقتصادية والقانونية المعقدة، يبقى المواطن المغربي الطرف الأكثر تضرراً. فالزيادات المتكررة في أسعار المحروقات لا تنعكس فقط على كلفة التنقل، بل تمتد آثارها إلى أسعار النقل والمواد الغذائية والخدمات الأساسية.

ومع استمرار جمود الأجور مقارنة بوتيرة ارتفاع الأسعار، تتآكل القدرة الشرائية تدريجياً، وهو ما يجعل أي زيادة جديدة في أسعار الطاقة تتحول بسرعة إلى قضية اجتماعية تتجاوز بعدها الاقتصادي الضيق.

سؤال النموذج الاقتصادي: سوق تنافسية أم سوق نفوذ؟

الأزمة الحالية تعيد إلى الواجهة سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة السوق الطاقية في المغرب: هل تعمل وفق قواعد المنافسة الحرة كما يقتضي اقتصاد السوق، أم أن ميزان القوى داخل القطاع يميل لصالح عدد محدود من الفاعلين الكبار؟

اقتصاد السوق الحقيقي لا يقوم فقط على تحرير الأسعار، بل على منظومة متكاملة من الضوابط التي تضمن الشفافية، وتمنع الاحتكار، وتسمح بتدخل الدولة عندما يختل التوازن بين الربح المشروع والمصلحة العامة.

إصلاحات مؤجلة في قطاع استراتيجي

في ضوء هذه التطورات، تتزايد الدعوات إلى إعادة فتح ملف المحروقات بشكل شامل. أولى الخطوات التي يطالب بها خبراء الطاقة تتمثل في فرض مراقبة صارمة على احترام الشركات لالتزاماتها المتعلقة بالمخزون الاحتياطي، مع تطبيق الغرامات القانونية في حال تسجيل أي خرق.

كما تبرز مقترحات بإعادة النظر في البنية الضريبية المفروضة على المحروقات لتخفيف العبء على المستهلكين، إلى جانب إعادة طرح خيار تشغيل مصفاة «لاسامير» باعتباره خطوة استراتيجية يمكن أن تعيد للمغرب جزءاً من قدرته على التحكم في أمنه الطاقي.

حين تتحول الطاقة إلى قضية أمن قومي

التطورات الأخيرة في سوق المحروقات تؤكد أن الطاقة لم تعد مجرد سلعة اقتصادية تخضع لمنطق العرض والطلب، بل أصبحت عنصراً حاسماً في معادلة الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدول.

وفي ظل إغلاق أحد أهم الممرات النفطية في العالم، وارتفاع الأسعار بشكل فوري داخل السوق الوطنية، يتعاظم السؤال الذي يتردد في الشارع المغربي: كيف تصل صدمة الأسعار العالمية إلى جيوب المواطنين بهذه السرعة، بينما يفترض أن يحميهم مخزون احتياطي يغطي ستين يوماً كاملة؟

ذلك السؤال لم يعد مجرد نقاش اقتصادي تقني، بل تحول إلى اختبار حقيقي لشفافية تدبير أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد الوطني.

المقال التالي