آخر الأخبار

الصناعة التقليدية بالمغرب.. حرفيون بين وعود الرقمنة وشبح الإفلاس

لم تعد معاناة الصناع التقليديين في المغرب مجرد هموم عابرة تظهر موسمياً في النقاشات العمومية، بل تحولت إلى واقع يومي قاس يعيشه آلاف الحرفيين داخل ورشاتهم المهددة بالإغلاق النهائي. وبينما تطلق الجهات الحكومية مبادرات رقمية بين الفينة والأخرى، يرتفع صوت المهنيين المحتجين على سياسات يرونها بعيدة كل البعد عن معاناتهم الحقيقية، معتبرين أن الأزمة أعمق من أن تحلها منصة إلكترونية أو بطاقة مهنية حديثة.

قطاع ظل لعقود ركيزة أساسية في الاقتصاد الاجتماعي المغربي ومصدراً لعيش آلاف الأسر، يعيش اليوم ما يصفه المتخصصون بحالة «شلل تدريجي»، حيث تتهاوى الحرف العريقة أمام تراكم التحديات الاقتصادية والتجارية. وفي خضم هذا الجدل المحتدم، برز اسم لحسن السعدي بعد توقيعه اتفاقية تهم رقمنة الغرف المهنية والسجل الوطني للصناع التقليديين يوم الأربعاء، وهي الخطوة التي قسمت المهنيين بين من يرى فيها مدخلاً ضرورياً للتحديث الإداري، ومن يعتبرها مشروعاً بيروقراطياً لا يلامس جوهر الأزمة التي يعيشها القطاع.

تبدو فكرة رقمنة القطاع، من الزاوية النظرية، خطوة إيجابية نحو تحديث آليات التدبير وتسهيل التواصل بين الحرفيين والإدارات الرسمية. غير أن عدداً كبيراً من الفاعلين يعتبرون توقيت هذه المشاريع غير مناسب إطلاقاً، فالمشكلات الجوهرية التي يعانيها القطاع، وفق حديث المهنيين، لا علاقة لها بغياب المنصات الرقمية، بل تتمثل أساساً في الارتفاع الكبير لتكاليف الإنتاج وغلاء المواد الأولية وضعف قنوات التسويق.

ويؤكد صناع تقليديون أن الرقمنة قد تشكل قيمة مضافة على المدى البعيد، لكنها تبقى عاجزة عن إنقاذ حرفي يكافح يومياً لتوفير قوت عائلته أو تسديد إيجار ورشته المهددة بالإغلاق. فالحرفي اليوم يحتاج إلى حلول عملية تلامس واقعه المعيشي قبل أن يحتاج إلى بطاقة إلكترونية تخول له ولوج خدمات إدارية لا توفر له زبوناً واحداً.

في رحاب الأسواق العتيقة والمدن التاريخية التي شكلت، على مر العصور، واجهة مشرقة للصناعة التقليدية المغربية، تبدل المشهد كثيراً عما كان عليه. فقد أغلقت ورشات عديدة أبوابها تباعاً، بينما تشتغل أخرى بنصف طاقتها بسبب الركود وتراجع الطلب وارتفاع التكاليف.

حرفيون كثر راهنوا لسنوات على انتعاش السياحة كمحرك أساسي لتصريف منتجاتهم، غير أنهم وجدوا أنفسهم عالقين في سوق متقلبة. وفي المقابل، يعاني صناع المدن غير السياحية عزلة اقتصادية قاسية نتيجة غياب قنوات تسويقية فعالة. أما التعاونيات الحرفية، التي شكلت لعقود إحدى ركائز الاقتصاد التضامني، فهي الأخرى تواجه صعوبات مالية وتنظيمية متزايدة تهدد استمراريتها. وفي ظل هذا الوضع، يطالب المهنيون بتحويل الدعم إلى إجراءات مباشرة تلامس احتياجاتهم الحقيقية، عبر تخفيض كلفة المواد الأولية وإحداث آليات تسويقية فعالة داخل المغرب وخارجه.

ومن بين أبرز التحديات التي تواجه الصناعة التقليدية اليوم المنافسة الشرسة للمنتجات المستوردة، خصوصاً تلك القادمة من الأسواق الآسيوية، والتي يطلق عليها الحرفيون اسم «الشينوا». فهذه البضائع المصنعة بكميات ضخمة وبأسعار متدنية تغزو الأسواق الوطنية وتنافس بقوة المنتجات التقليدية التي تتطلب وقتاً طويلاً وجهداً كبيراً في صناعتها اليدوية.

كما أن انتشار الآلات الحديثة والميكنة داخل بعض القطاعات الحرفية زاد الوضع تعقيداً، إذ تراجع الطلب على العمل اليدوي التقليدي لصالح المنتجات المصنعة آلياً، وهو ما ينذر بانقراض حرف عريقة شكلت جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية المغربية. ويرى الحرفيون في هذا التحول خطراً وجودياً على مستقبل مهنتهم، خاصة في ظل غياب حماية فعلية للمنتج التقليدي من هذه المنافسة غير المتكافئة.

وسط هذه التحديات المركبة، يتساءل المهنيون باستغراب عن جدوى اللقاءات والندوات التي تعقد بين الفينة والأخرى تحت شعار إنقاذ القطاع. فبحسب كثير منهم، تبقى هذه الاجتماعات حبيسة الخطابات الرنانة والتوصيات المنمقة دون أن تتحول إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

ويشير متابعون إلى أن الأموال التي ترصد لهذه التظاهرات كان يمكن توجيهها لدعم الورشات الصغيرة أو لإطلاق منصات تسويقية حقيقية تعود بالنفع المباشر على الحرفيين. كما يؤكد عدد من الصناع أن هذه اللقاءات تستهلك الوقت والموارد دون تقديم حلول لملفات حيوية مثل التمويل والتسويق والتكوين المهني، وهي القضايا التي تهم الحرفي البسيط أكثر من أي مشروع إداري جديد.

الأكثر إيلاماً في هذه المعادلة أن الأزمة الحالية لا تهدد فقط مصادر دخل الحرفيين، بل تطال أيضاً استمرارية حرف تقليدية عريقة كانت تنتقل عبر الأجيال. فالكثير من الشباب لم يعد متحمساً لتعلم هذه المهن بسبب ضعف مردوديتها الاقتصادية وصعوبة ظروف العمل داخل الورشات.

ويعني ذلك أن بعض الحرف التي شكلت لقرون جزءاً من التراث المغربي مهددة بالاختفاء التدريجي إذا لم تتدخل الجهات المعنية ببرامج إنقاذ حقيقية. والحرفيون لا يعارضون فكرة تحديث القطاع أو إدخال التكنولوجيا إلى آليات تدبيره، لكنهم يؤكدون أن الرقمنة ينبغي أن تكون جزءاً من إصلاح شامل، لا بديلاً عن الحلول الاقتصادية والاجتماعية الضرورية.

المنصات الرقمية قد تسهم في تنظيم المعطيات أو تسهيل الإجراءات الإدارية، غير أنها لن تحل مشكلة الحرفي الذي يعجز عن شراء المواد الأولية أو تسويق منتوجه. لذلك يطالب المهنيون بسياسات عمومية أكثر جرأة تضع الصناعة التقليدية في صلب الاستراتيجيات الاقتصادية، باعتبارها قطاعاً يوفر آلاف فرص الشغل ويساهم في صون الهوية الثقافية للمغرب.

فالحرفيون اليوم لا يطالبون بالكثير؛ إنهم يبحثون عن سياسات واقعية تعيد الاعتبار لمهنتهم وتضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تقف فيه الصناعة التقليدية عند مفترق طرق حاسم بين وعود التحديث الإداري وضغوط سوق قاسية تهدد استمرار واحد من أعرق القطاعات الإنتاجية في البلاد.

المقال التالي