آخر الأخبار

“الأشباح الإلكترونية” وشائعات الاختطاف.. لماذا نصدق الأخبار دون التحقق منها؟

في زمن أصبحت فيه منصات التواصل الاجتماعي النافذة الأولى التي يطل منها المواطن على العالم، تحولت حوادث متفرقة إلى مادة خصبة لبث الرعب وترويج أخبار الاختطاف والقتل، في ظل غياب التدقيق والمسؤولية. وبينما تتفاعل هذه المنصات مع مخاوف الناس بشكل لحظي، تتحول المشاهدات والتفاعلات إلى هدف رئيسي، حتى لو كان الثمن نشر هلع جماعي لا يستند إلى وقائع ملموسة. وفي خضم هذا الضجيج الرقمي يبرز سؤال جوهري: هل نحن فعلاً أمام موجة إجرامية منظمة، أم أن التضليل الإعلامي وحده قادر على تحويل حالات فردية معزولة إلى ظاهرة توحي بتهديد السكينة العامة؟

ومع تداول الرأي العام أخبار حوادث أليمة ومتفرقة، على غرار الجريمة التي شهدها مسجد بإقليم الدريوش في يناير الماضي، أو حالات اختفاء في مناطق متفرقة من البلاد، جرى ربط هذه الوقائع ببعضها البعض في سياق تحذيري يفتقر إلى المنطق. هذا الربط العشوائي، الذي تحول إلى مادة ترويجية لجذب التفاعل، لم يسهم فقط في تضخيم الأحداث، بل أسس أيضاً لسردية مشحونة بنَفَس مؤامراتي، تدفع الناس إلى العيش في حالة من الشك والارتباك، وتشتت الانتباه عن القضايا الأمنية الحقيقية التي تستحق نقاشاً مجتمعياً هادئاً ومسؤولاً.

وتكشف قراءة متأنية للواقع الأمني أن ما يجري الترويج له عبر المنصات الرقمية لا يعكس بالضرورة حقيقة الميدان. فالأمر لا يتعلق بعصابات اختطاف منظمة كما يُشاع، بل بحالات متعددة ومختلفة، تبدأ باختفاءات فردية تتعامل معها الأجهزة الأمنية باعتبارها ملفات منفصلة، وتنتهي أحياناً بجرائم عنيفة يرتكبها أشخاص يعانون اضطرابات نفسية أو عقلية. وقد أبرزت حادثة مقتل إمام مسجد بإقليم الدريوش، على يد شخص كان في حالة نفسية مضطربة، جانباً من هذا الإشكال المعقد، الذي يطرح بدوره تساؤلات عميقة حول ضعف منظومة الرعاية والتكفل بالأشخاص الذين يعانون اختلالات نفسية، وما قد يترتب عن ذلك من حوادث كان من الممكن تفاديها بسياسات وقائية أكثر فاعلية.

كما أن النقاش حول الأمن لا يمكن أن ينفصل عن قدسية الفضاءات العمومية، فحين تتحول أماكن يفترض أن تكون فضاءات للطمأنينة والسكينة إلى مسرح لجرائم صادمة، يجد المجتمع نفسه أمام حقيقة مقلقة. فالمشكلة لا تكمن في عصابات وهمية تختطف الناس، بقدر ما ترتبط بأزمة صامتة في مجال الصحة النفسية، تفتقر إلى منظومة احتواء قوية قادرة على التدخل المبكر والعلاج الفعّال. وإذا كان الأمن ثمرة عمل مؤسساتي متراكم، فإن الثقة في المؤسسات لا تعفي المجتمع من مسؤوليته في المطالبة بإصلاحات جوهرية، تبدأ بالتحقق من صحة الأخبار قبل نشرها، وتمتد إلى المطالبة بسياسات عمومية أكثر صرامة ونجاعة في مجال التكفل بالمضطربين نفسياً.

وأمام هذا الواقع، يصبح الوعي الرقمي مسؤولية جماعية لا تقل أهمية عن أي إجراء أمني. فالتثبت من الأخبار قبل تداولها، والتعامل مع المعلومات بحذر، يمثلان خط الدفاع الأول ضد موجات التضليل التي قد تحوّل الخوف إلى حالة عامة غير مبررة. وفي ظل تكرار حوادث عنف يرتبط بعضها بضعف رعاية الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية، يظل التساؤل مطروحاً بإلحاح: هل آن الأوان للانتقال من الخوف الذي تصنعه الشائعات إلى المطالبة بسياسة عمومية واضحة تضمن العلاج والحماية، بما يحفظ أمن المجتمع وكرامة هؤلاء الأشخاص في آن واحد؟

المقال التالي