آخر الأخبار

عاصفة دبلوماسية تقلب حسابات مدريد وتضع سبتة ومليلية في مرمى التهديدات

تعيش العلاقات الإسبانية-الأمريكية إحدى أكثر مراحلها توتراً منذ عقود، عقب قرار حكومة بيدرو سانشيز رفض المشاركة في أي هجوم عسكري محتمل ضد إيران، وهو موقف فتح الباب أمام سلسلة من التداعيات التي تهدد المصالح الإستراتيجية لمدريد على أكثر من جبهة. وبين تهديدات بقطع العلاقات التجارية واحتمال الوقوع في عزلة داخل حلف شمال الأطلسي، يبرز الملف المغربي باعتباره إحدى أخطر الأوراق التي قد تستخدمها واشنطن للضغط على إسبانيا، خاصة في ما يتعلق بمدينتي سبتة ومليلية المحتلتين. وفي خضم هذا التوتر، تحذر أوساط دبلوماسية من أن الرباط قد تكون المستفيد الأكبر من هذا التصعيد، بينما تتزايد التساؤلات داخل إسبانيا بشأن حكمة القرار الحكومي وتوقيته.

وفي هذا السياق، خصصت صحيفة «ABC» الإسبانية الأمس، تغطية موسعة للأزمة، مشيرة إلى أن العزلة التي بدأت تشعر بها مدريد داخل حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تنامي ما وصفته بـ«التهديد المغربي» على الجبهة الجنوبية، يمثلان من أخطر تداعيات إدارة الظهر لواشنطن. وأوضحت الصحيفة أن الموقف الإسباني لم يثر غضب البيت الأبيض فحسب، بل فتح الباب أيضاً أمام عواقب متعددة على مختلف المستويات، في مقدمتها تهديد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا، وهي خطوة ستكون لها انعكاسات ثقيلة، بالنظر إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين يتجاوز 47 مليار دولار سنوياً. كما أن مشروع توسعة قاعدة «روتا» البحرية، الذي تعوّل عليه المنطقة اقتصادياً وعسكرياً، أصبح بدوره على المحك، فضلاً عن وضع الشركات الأمريكية الكبرى العاملة في إسبانيا، التي قد تجد نفسها «رهينة» لتداعيات هذه الأزمة المتصاعدة.

وعلى المستوى الدبلوماسي، تشير الصحيفة إلى أن مدريد بدأت تفقد مواقعها داخل دوائر القرار الدولي؛ إذ لم تعد مدعوة إلى الاجتماعات التحضيرية لمجموعة العشرين، كما جرى تهميشها في نقاشات حلف شمال الأطلسي المرتبطة بالتحديات الأمنية الكبرى. ويبدو هذا التراجع أكثر إيلاماً في ملف الصحراء، الذي سبق أن نوقش في العاصمة الإسبانية مدريد برعاية أمريكية وبحضور مغربي، من دون أن تضطلع إسبانيا بدور مؤثر في مسار النقاش. وفي القراءة الإستراتيجية للصحيفة، فإن الخطر الأبرز يتمثل في طبيعة العلاقة مع الرباط؛ ففي الوقت الذي تعزز فيه المملكة المغربية تحالفاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو مدريد، وفق التقدير ذاته، في وضع أكثر هشاشة أمام أي تحرك مغربي محتمل تجاه مدينتي سبتة ومليلية، خاصة أن مظلة حلف شمال الأطلسي لا توفر حماية صريحة لهاتين المدينتين. وترى الصحيفة أن الثقة التي تضررت بين مدريد وحليفها التاريخي ستكون عملية ترميمها معقدة وطويلة.

ومن زاوية تحليلية أخرى، ذهب الكاتب والمحلل فرناندو راموس، في مقال نشره بصحيفة «Mundiario»، إلى أن المغرب قد يخرج كأكبر المستفيدين من التدهور الحاصل في العلاقات الإسبانية-الأمريكية. ويشير إلى أنه في الوقت الذي تتلقى فيه مدريد توبيخاً علنياً من إدارة ترامب، تتعزز الروابط بين واشنطن والرباط، ما يخلق ما وصفه بـ«العاصفة الكاملة» التي تواجهها الدبلوماسية الإسبانية. ويرى راموس أن الرباط تستثمر ما يسميه «عزلة سانشيز» على الساحة الدولية لتحقيق مكاسب إستراتيجية في ملفات السيادة والهجرة، مستحضراً سوابق تاريخية، من بينها هجوم إفني سنة 1957، حين هاجم الجيش المغربي المستعمرة الإسبانية، ولم تتمكن مدريد آنذاك من استخدام الأسلحة الأمريكية في الدفاع عنها، لأن الاتفاقيات الموقعة مع واشنطن كانت تمنع توظيفها في «حروب استعمارية».

ويكشف راموس كذلك عن وجود خطة عسكرية إسبانية سابقة للدفاع عن الثغرين المحتلين، حملت اسم «خطة باليستا»، لم تكن تقتصر على الجانب الدفاعي فحسب، بل تضمنت سيناريوهات لإنزال قوات محمولة جواً خلف الخطوط المغربية، إضافة إلى توجيه ضربات من البحر والجو لمدن مغربية بهدف تخفيف الضغط عن سبتة ومليلية. غير أن الكاتب يطرح تساؤلات ضمنية حول جدوى مثل هذه التصورات في السياق الحالي، في ظل ما يصفه بتنامي القدرات العسكرية المغربية وتعقّد موازين التحالفات الدولية. ومن هنا ينتقل راموس إلى توجيه انتقادات حادة للنخبة التقدمية الإسبانية التي يعتبرها منفصلة عن الواقع الجيوسياسي، مستشهداً بتصريحات الممثلة الأمريكية سارة ساراندون التي أشادت بسانشيز واعتبرته «في الجانب الصحيح من التاريخ»، مذكّراً في المقابل بأن ساراندون نفسها سبق أن أبدت تعاطفاً مع منظمة «إيتا».

ويستحضر الكاتب في سياق تحليله مقولة للكاتب الفرنسي أناتول فرانس: «الغباء أخطر من الشر، لأن الشر يأخذ قسطاً من الراحة أحياناً، أما الغباء فلا»، في إشارة إلى أن ما يصفه بسياسة سانشيز لا يندرج، في نظره، ضمن خانة «الشر السياسي» بقدر ما يعكس «خطأً إستراتيجياً» يواصل إلحاق الضرر بمكانة إسبانيا الدولية. وفي ضوء ذلك، يطرح راموس تساؤلاً حاداً حول ما إذا كانت هذه المغامرة الدبلوماسية مرتبطة أيضاً بحسابات داخلية يسعى من خلالها سانشيز إلى تحسين صورته السياسية وتعزيز موقع حزبه في لحظة داخلية دقيقة، وهي قراءة تتقاطع مع تحليلات في صحف أخرى ترى أن توظيف السياسة الخارجية لتحقيق مكاسب داخلية قد يقود أحياناً إلى نتائج معاكسة، خصوصاً عندما تختلط الحسابات الحزبية بالمصالح الإستراتيجية للدولة.

المقال التالي