المجلس الوطني لحقوق الإنسان: نصف الأسر المغربية تحت خط الهشاشة

كشف تقرير حديث للمجلس الوطني لحقوق الإنسان أن حوالي 4,6 ملايين أسرة مغربية، أي ما يقارب نصف الأسر المشمولة بالإحصاء الرسمي، تقدّمت بطلبات للاستفادة من الدعم الاجتماعي المباشر. وأرجع المصدر ذاته هذا التزايد القياسي إلى تراكم أزمات عميقة هزّت النسيج الاجتماعي، بدءاً من الجائحة الصحية العالمية وصولاً إلى تداعيات الحرب في أوكرانيا، مروراً باضطراب سلاسل التوريد والموجة التضخمية الحادة. وأكد التقرير، الصادر الجمعة، أن هذه العوامل مجتمعة «زرعت بذور الهشاشة» في صفوف واسعة من المواطنين، ما انعكس سلباً على تمتعهم بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الأساسية.
وأشار التقرير السنوي للهيئة الحقوقية برسم سنة 2024، والصادر تحت عنوان «ضمان فعلية الحقوق والحريات: تحولات تشريعية وتحديات»، إلى أن القطاعات الغذائية كانت الأكثر تضرراً من لهيب الأسعار. ففي ذروة الأزمة، سجلت بعض المواد الغذائية معدلات تضخم قياسية بلغت في دجنبر 2023 حوالي 12,5 في المائة، مما شكل ضغطاً استثنائياً على القدرة الشرائية للأسر. وأدرج المجلس هذه القضية ضمن «القضايا الضاغطة» التي تابعها عن كثب، إلى جانب ملفات الهجرة وممارسة الحريات في الفضاء الرقمي، نظراً لآثارها السلبية والمستمرة على فئات اجتماعية عريضة.
وأوضح التقرير أن هذه الضغوط التضخمية استمرت للسنة الرابعة توالياً، تاركة ندوباً عميقة في جيوب المواطنين. ورغم تراجع التضخم خلال سنة 2024 ليسجل 2,4 في المائة، فإن تداعيات الارتفاعات القياسية في العامين السابقين (6,6 في المائة سنة 2022 و6,1 في المائة سنة 2023) لم تندثر. وأرجع المصدر ذاته استمرار هذا التأثير إلى عوامل هيكلية، أبرزها ضعف النمو الاقتصادي الذي لم يسعف في تحسين الدخول وتعويض تآكل الأجور الحقيقية، إضافة إلى استفحال القطاع غير المهيكل الذي يستوعب أكثر من ثلثي اليد العاملة.
ولم يقتصر تأثير غلاء المعيشة على الجانب المادي فحسب، بل امتد ليشمل حقوقاً أساسية أخرى. ففي قطاع الصحة، أدى ارتفاع أسعار الأدوية والخدمات الصحية إلى تقييد ولوج الفئات الهشة للعلاج. كما طال التأثير الحق في التعليم، حيث تضطر بعض الأسر إلى إخراج أطفالها من المدارس وإدماجهم في سوق العمل لتأمين لقمة العيش، مما يرفع من معدلات الهدر المدرسي. ويعزز هذا الواقع تبايناً صارخاً في مجال الشغل، في ظل استقرار الأجور وهيمنة الحد الأدنى للأجور على سوق العمل، مما يوسع الهوة بين الفئات ذات الدخل المرتفع وبقية شرائح المجتمع.
وسجّل التقرير أن الموجة التضخمية ساهمت بشكل مباشر في توسيع الفوارق الاجتماعية والمساس بمبدأ المساواة، خاصة مع ارتفاع معدل البطالة إلى 21,3 في المائة سنة 2024، مقابل 16,2 في المائة سنة 2014، وفق نتائج الإحصاء العام للسكان. ويؤكد هذا الواقع، في نظر المجلس، الحاجة الملحة إلى سياسات عمومية أكثر نجاعة لاحتواء التداعيات الاجتماعية للاهتزازات الاقتصادية، وضمان حماية الفئات الأكثر هشاشة من وطأة الأزمات المتلاحقة.

تعليقات