الدوريات الرمضانية بالمغرب.. فضاء لاكتشاف المواهب الكروية في الهامش

مع حلول شهر رمضان من كل سنة، تتحول الأزقة والساحات العمومية في العديد من المدن والقرى المغربية إلى ملاعب مفتوحة لكرة القدم، حيث تنتشر ما يعرف بـ“الدوريات الرمضانية” التي ينظمها شباب الأحياء الشعبية بوسائل بسيطة وإمكانيات ذاتية، في تقليد اجتماعي ورياضي بات جزءا من الطقوس الرمضانية داخل المجتمع المغربي.
وتشهد هذه الدوريات إقبالا واسعا من طرف الشباب والأطفال وحتى الكهول، إذ تشكل فرصة للتنافس الرياضي في أجواء حماسية يغلب عليها الطابع الأخوي والتضامني بين أبناء الحي الواحد أو الأحياء المجاورة. وغالبا ما تُقام هذه المباريات في فترات ما قبل الإفطار أو بعد صلاة التراويح، حيث يتجمع السكان حول الملاعب الترابية أو الساحات القريبة لمتابعة المباريات وتشجيع الفرق المشاركة.
وفي كثير من الحالات، يتكفل شباب الأحياء بتنظيم هذه الدوريات بجهودهم الخاصة، من خلال جمع مساهمات بسيطة لشراء الكؤوس أو الأقمصة الرياضية أو توفير الحد الأدنى من التجهيزات. كما تتدخل أحيانا بعض الجمعيات المحلية لتنظيم هذه المنافسات وتأطيرها، سواء عبر توفير الجوائز أو الإشراف على البرمجة والتحكيم.
ولا تقتصر أهمية هذه الدوريات على الجانب الترفيهي فقط، بل تشكل فضاء لاكتشاف وصقل العديد من المواهب الكروية الشابة التي تزخر بها الأحياء الشعبية والقرى المغربية. غير أن عددا من هذه الطاقات الواعدة يظل حبيس الهامش، بعيدا عن أعين الأندية والكشافين، بسبب ضعف الإمكانيات وغياب آليات حقيقية لاكتشاف المواهب في هذه المناطق.
ويرى متتبعون أن هذه الدوريات تمثل متنفسا حقيقيا لعدد كبير من المواطنين خلال الشهر الفضيل، خاصة في الأحياء التي تفتقر إلى فضاءات رياضية منظمة، حيث توفر لحظات من الترفيه والتلاقي الاجتماعي وتخفف من ضغط الحياة اليومية، كما تعزز روح التضامن والتعارف بين أبناء الحي.
غير أن هذا المشهد الرياضي الشعبي لا يخلو في بعض الأحيان من محاولات الاستغلال السياسي، إذ يسعى بعض المنتخبين والفاعلين السياسيين في عدد من المدن والقرى إلى الظهور في هذه التظاهرات الرياضية أو تقديم دعم مالي لتنظيمها، في خطوة يراها متابعون مرتبطة بحسابات انتخابية أكثر منها دعما فعليا للرياضة المحلية. ويزداد هذا الحضور السياسي لافتا في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث يحاول بعض السياسيين تلميع صورتهم وكسب تعاطف الساكنة من خلال الارتباط بهذه الدوريات الرمضانية التي تحظى بشعبية واسعة داخل الأحياء.
ورغم هذه الممارسات، تبقى الدوريات الرمضانية تقليدا اجتماعيا راسخا يعكس حيوية المجتمع المغربي وقدرته على خلق فضاءات للفرح والتنافس الرياضي بإمكانيات بسيطة، كما تظل مناسبة لاكتشاف مواهب شابة قد تجد في المستقبل طريقها إلى الملاعب الكبرى إذا ما حظيت بالاهتمام والرعاية اللازمين.

تعليقات