بين المنع والترخيص والإغلاق.. قرارات متضاربة تُربك قطاع الصيد وتكبّد البحارة خسائر فادحة

في مشهد يعكس حالة واضحة من الارتباك في التدبير، وجد آلاف البحارة المغاربة أنفسهم عالقين بين مطرقة القرارات الوزارية المتعاقبة وسندان واقع اقتصادي قاسٍ. فبعد فترة انتظار طويلة لما يُعرف بـ«الراحة البيولوجية»، لم يتحقق الأمل المنشود، إذ تعاقبت القرارات بين المنع والتقليص ثم الإغلاق مجددًا، في تناقض صارخ أثار موجة غضب واسعة في أوساط مهنيي القطاع.
بدأت الحكاية بقرار يمنع صيد الأسماك السطحية الصغيرة في المنطقة الأطلسية الجنوبية الممتدة من رأس بوجدور إلى الرأس الأبيض، طيلة شهري يناير وفبراير من العام المقبل. ورغم تبرير الإدارة لهذا القرار بضرورة حماية صغار الأسماك وضمان استدامة المخزون السمكي، سرعان ما جرى تعديل الصيغة الأولى، حيث تقرر تقليص مدة المنع إلى غاية 15 فبراير، بدعوى «انتعاش المصيدة». وهذا ما سمح باستئناف النشاط لفترة وجيزة، قبل أن يتلقى البحارة صدمة جديدة.
ففي آخر المستجدات، صدر القرار رقم «PP.04/26» القاضي بإغلاق منطقة تركز صغار الأسماك بالأطلسي الجنوبي («المخزون C») مجددًا إلى غاية متم يونيو، مع تبرير الخطوة بضرورة حماية السردين المتجمع في أعماق تقل عن 50 مترًا. هذا التقلب السريع في القرارات خلال فترة زمنية قصيرة لم يضعف فقط الثقة في منهجية التدبير، بل خلّف أيضًا تداعيات اقتصادية واجتماعية ثقيلة على آلاف الأسر التي تعتمد على البحر كمصدر رئيسي للعيش.
ووفق مصادر مهنية تحدثت إليها «مغرب تايمز»، فإن التوقف القسري خلال الشهرين الماضيين كبّد البحارة خسائر كبيرة في ظل غياب أي تعويضات أو بدائل عملية. وبعد أيام معدودة من استئناف النشاط، جاء قرار الإغلاق مجددًا، وهو ما وصفه عدد من الفاعلين داخل القطاع بـ«المجزرة» التي مست المخزون والبحارة معًا. وتحدثت المصادر نفسها عن بداية انتشار بطالة مقنعة في صفوف العمال، إلى جانب تراكم الديون على العديد منهم، وارتفاع منسوب القلق لدى المستثمرين بشأن استمرارية مناصب الشغل في سوق داخلية تتأرجح بين ندرة المنتوج وارتفاع قياسي في الأسعار.
في قراءة لهذا الوضع، يرى مهنيون أن الإشكال لا يكمن في مبدأ الإغلاق البيولوجي في حد ذاته، بل في «توقيته وطريقة تدبيره». فالانتقال من المنع إلى السماح ثم العودة إلى المنع خلال أسابيع قليلة يطرح تساؤلات جدية حول استقرار ودقة المعطيات العلمية التي تستند إليها القرارات الوزارية. كما امتدت الانتقادات إلى آليات البحث العلمي المعتمدة، حيث يعتبر مهنيون أن الاعتماد المفرط على نماذج نظرية وبرمجيات جاهزة، دون إشراك الخبرة الميدانية للبحارة والربابنة، يخلق فجوة واضحة بين الفرضيات المخبرية والواقع البحري المتغير.
وتزداد الصورة تعقيدًا بالنظر إلى أن «المخزون C» يُعد مخزونًا مشتركًا يتأثر بظاهرة صعود التيارات الباردة «upwelling» على طول الساحل الأطلسي، ما يجعل أي مقاربة تدبيرية أحادية الجانب محدودة الأثر في غياب تنسيق فعلي مع الدول المجاورة، خاصة موريتانيا. وفي هذا السياق، دعا مهنيون إلى اعتماد مقاربة إقليمية أو تنظيم مؤتمر دولي لتقنين استغلال هذه المخزونات المشتركة، بدل الاكتفاء بإجراءات وطنية قد تتحول إلى عبء اقتصادي دون تحقيق مردود بيولوجي ملموس.
بالتوازي مع تفاقم الأزمة داخل القطاع، تتصاعد دعوات واسعة لإعلان السنة المقبلة «سنة منكوبة»، في محاولة للضغط نحو تدخل حكومي عاجل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وتشمل المقترحات المطروحة تعويض البحارة النشطين المتضررين من الإغلاق، ودعم المستثمرين للحفاظ على مناصب الشغل، وإعادة جدولة ديون القطاع المتراكمة لدى الأبناك وإدارة الضرائب والممونين، إضافة إلى إحداث خلية أزمة متعددة القطاعات لصياغة رؤية إنقاذية عاجلة تعيد الاستقرار إلى قطاع يعيش على إيقاع قرارات متقلبة وتحديات اقتصادية متزايدة. ويرى متابعون أن ما يجري اليوم يتجاوز كونه أزمة ظرفية، ليعكس اختلالًا أعمق يمتد من علاقة الإدارة بالمهنيين إلى آليات اتخاذ القرار، وصولًا إلى صعوبة تحقيق التوازن بين متطلبات الاستغلال الاقتصادي وضرورات الحماية البيولوجية في غياب رؤية استراتيجية واضحة تجمع بين البعد العلمي والاجتماعي.

تعليقات