قفزة نوعية في تعويضات حوادث السير.. من 9270 إلى 14270 درهماً ومصاريف الجنازة مشمولة

شهدت منظومة التعويض عن حوادث السير بالمغرب نقلة نوعية مع إصدار الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية دورية توجيهية تعلن الشروع الرسمي في تطبيق قانون جديد يعيد هيكلة سقوف التعويضات بعد أربعة عقود من الجمود التشريعي. ويمثل هذا الإصلاح محطة مفصلية في مسار تحديث الآليات القانونية المعتمدة منذ منتصف الثمانينيات، حيث تجاوز المشرع الارتباط التاريخي بمنظومة الوظيفة العمومية الذي كان يحكم احتساب التعويضات ويحد من قيمتها في ظل المتغيرات الاقتصادية الراهنة.
وأصدر محمد عبد النباوي دورية رقم 26/06 موجهة إلى الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف ورؤساء المحاكم الابتدائية، يؤكد فيها دخول المقتضيات الجديدة حيز التنفيذ ابتداء من الخميس، تاريخ نشر النص في الجريدة الرسمية. وترفع القيمة المرجعية المعتمدة في احتساب التعويضات من 9270 درهماً إلى 10270 درهماً بشكل فوري، مع إقرار زيادة سنوية تصاعدية قدرها 1000 درهم ابتداء من فاتح يناير من سنة 2030 لتصل إلى 14270 درهماً، في خطوة تهدف إلى مواكبة تحولات بنية الأجور وتحسين وضعية المتضررين.
واستحدث القانون الجديد جدولاً معتمداً للرساميل يحدد التعويضات وفق سن الضحية وأجره السنوي، مع اعتماد صيغة حسابية واضحة للحالات التي لا يتطابق فيها أجر المصاب مع القيم المحددة. ويمكن هذا الإجراء التقني من تحديد تعويضات أقرب إلى الوضعية الواقعية للضحية، ويحد من الاجتهادات القضائية المتباينة التي كانت تثير إشكالات تطبيقية أمام المحاكم، كما تم نسخ الجدول القديم الذي ظل معمولاً به لعقود واستبداله بآخر أكثر دقة ومرونة.
ووسع المشرع نطاق المصاريف القابلة للاسترجاع بشكل غير مسبوق، حيث شمل التعويض مصاريف الجنازة ونقل الجثمان بانتظار صدور نص تنظيمي يحدد الحد الأدنى لهذه المصاريف مع مراعاة مكان الدفن والمسافة المقطوعة. وأدرج القانون الجديد أيضاً مصاريف إصلاح الأجهزة المتضررة جراء الحادث مثل الأطراف الاصطناعية والكراسي المتحركة، إضافة إلى كافة حصص الترويض الطبي الضرورية لاسترجاع الحركات العادية، مع استثناء التعويض عن الألم المعنوي الناتج عن الوفاة من مبدأ تشطير المسؤولية.
وعزز الإطار القانوني الجديد حماية الفئات الهشة برفع نسبة التعويض الممنوح للأصول الذين فقدوا مورثهم إلى 30 في المائة إذا كان أحدهما مصاباً بعاهة، وإلى 25 في المائة لكل منهما إذا كانا مصابين. كما وسع دائرة المستفيدين من احتساب ثلاثة أمثال الحد الأدنى للأجر لتشمل خريجي سلكي الماستر والدكتوراه غير الحاصلين على عمل، واعتمد متوسط الأجر الفعلي للأجراء الموسميين الذين اشتغلوا أقل من 12 شهراً قبل الحادث، ضماناً لعدم الإضرار بهذه الفئة.
وأعاد المشرع النظر في آجال التقادم التي كانت تشكل عائقاً أمام استيفاء العديد من الضحايا لحقوقهم، حيث رفع الأجل من ثلاث سنوات إلى خمس سنوات تحتسب من تاريخ توصل المصاب بعرض شركة التأمين أو رفضه. وقرر وقف سريان التقادم طيلة مدة الدعوى العمومية المعروضة أمام القضاء الزجري إلى حين صدور حكم نهائي، إضافة إلى رفع الأجل المتعلق بتفاقم الأضرار إلى خمس سنوات في مواجهة شركات التأمين أو أمام المحكمة المختصة.
ودعا الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية القضاة إلى تنظيم موائد مستديرة لتدارس الإشكالات التطبيقية وتطوير الاجتهاد القضائي بما يواكب روح الإصلاح. وشدد على أن تنزيل هذه المقتضيات الجديدة يمثل أمانة لتعزيز حقوق الضحايا وترسيخ الأمن القانوني، مع التأكيد على ضرورة التحلي بالنجاعة القضائية في تطبيق هذا الإطار القانوني المتطور الذي دخل حيز التنفيذ، باستثناء المقتضيات المرتبطة بنماذج الشواهد الطبية المنتظر صدور نص تنظيمي يحددها.

تعليقات