آخر الأخبار

الوزير بنسعيد يتحول إلى “رقم صعب” في معادلة إهدار المال العام

في فضيحة تهز أسوار وزارة الثقافة، يجد محمد المهدي بنسعيد نفسه في قفص الاتهام، متهماً بالتقصير في تدبير صفقة تنظيم معرض الألعاب الإلكترونية «Morocco Gaming Expo». القضية التي تفجرت كشفت عن رصد ميزانية ضخمة تقارب 49,8 مليون درهم لفعالية يثير المغاربة التساؤل حول جدواها، لتسفر العملية عن فوز شركة «Avant Scène» بعرض يكاد يطابق السقف المالي الكامل، بعد إقصاء المنافسين، في خطوة تفتح الباب أمام علامات استفهام عديدة.

يطرح هذا الملف سؤالاً مهماً يلاحق الوزير بنسعيد: كيف لمسؤول يدّعي الحداثة والانفتاح أن تمر صفقة بهذا الحجم تحت أنظاره دون تدقيق كاف؟ أم أن مكتب الوزير تحول إلى وكالة غير رسمية لتبييض الأموال تحت مسمى «التظاهرات الثقافية»؟ ففي الوقت الذي يعاني فيه آلاف الشباب من البطالة وغلاء المعيشة، يصر بنسعيد على ضخ المليارات في معرض يبدو أقرب إلى «ديسك لاند» للكبار، بينما كان الأجدر توجيهها لمشاريع حقيقية تخلق فرص الشغل وتحفظ الكرامة.

صمت الوزير المطبق تجاه هذه الفضيحة لا يقرأه الرأي العام إلا باعتراف ضمني بالتقصير، أو على الأقل غض نظر لا يليق بمسؤول يتحمل قيادة قطاع حساس كالثقافة والشباب. فحين يسكت من بيده القرار عن فتح تحقيق داخلي في صفقة بهذه المليارات، فإنه يتحول من حارس للنزاهة إلى شريك صامت في «السيبة» الإدارية، بل يبعث برسالة مفادها أن وزارته أصبحت بوابة مفتوحة للثراء الفاحش لفئة بعينها.

ما يزيد الطين بلة تحول وزارة الثقافة إلى «رقم صعب» في معادلة إهدار المال العام، حيث تتكرر السيناريوهات نفسها: صفقات ضخمة بلا جدوى، منافسة مشكوك في نزاهتها، وصمت مطبق من المسؤول الأول. وهنا تبرز مسؤولية مجلس المنافسة بشكل ملح وعاجل، حيث بات مطلوباً منه فتح تحقيق شفاف يكشف: هل كانت تعليمات صدرت من ديوان الوزير وجهت دفة الصفقة نحو شركة «Avant Scène»، أم أن الأمر مجرد «عبث» إداري تحول إلى عادة في قطاع يفترض فيه أن يكون قدوة؟

المتتبعون لهذا الملف يرون أن ما حدث تحت قبة وزارة بنسعيد يتجاوز مفهوم العبث الإداري ليدخل في خانة التقصير الخطير، خاصة أن السكوت الرسمي المخيّم على القضية يوحي بوجود غطاء ما للمتلاعبين. فحين تخرج صفقة بهذا الحجم من وزارة يدّعي مسؤولوها الشفافية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من أعطى الضوء الأخضر لهذه المهزلة؟ وهل كان بنسعيد على علم بتفاصيلها عندما كانت المليارات تُحسم لمصلحة شركة بعينها؟

الرسالة السلبية التي يبعثها هذا الملف إلى جيل الشباب كارثية بكل المقاييس، حيث تكرّس قناعة راسخة بأن النخبة الحاكمة تتعامل مع خزينة الدولة كغنيمة حرب لا كأمانة شعب. ففي الوقت الذي يطالب فيه الشباب بالنزاهة ومحاربة الفساد، يرون بأم أعينهم كيف تُنهب المليارات تحت غطاء التظاهرات الثقافية، وكيف يتحول وزيرهم إلى رقم صعب في معادلة لا تحترم أدنى قواعد الشفافية والمحاسبة.

الوزير بنسعيد أمام اختبار تاريخي قد يحدد مصيره السياسي: إما أن يثبت للشعب المغربي أنه كان بعيداً عن تفاصيل هذا «العبث»، فيتحمل مسؤوليته ويحيل المقصرين في دائرته الضيقة على القضاء، وإما أن يختار التمترس خلف صمته المخزي الذي سيجعل منه شريكاً أصيلاً في هذه الفضيحة. التاريخ لن يرحم وزيراً جعل من وزارته بوابة لنهب المال العام، ولن ينسى المغاربة لمن فرّط في قوتهم تحت أي مسمى كان، وسيظل اسم بنسعيد مقترناً بصفقة الـ49 مليون درهم.

المقال التالي