آخر الأخبار

بعد القرار الوزاري رقم 1250.. جدل واسع في المغرب بسبب حذف العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات

يشهد الرأي العام المغربي منذ الأمس نقاشاً مجتمعياً متصاعداً إثر قرار تنظيمي جديد فرض تغييرات جوهرية على الشكل الخارجي لسيارات نقل الأموات، حيث ألزمت السلطات المختصة مالكي هذه المركبات بالاقتصار على عبارة «نقل الأموات» فقط، مع منع إضافة أي عبارات أو رموز دينية كانت راسخة في هذا المجال لعقود. القرار، الذي يحمل توقيع وزارتي الداخلية والصحة، فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول خلفياته ومدى انسجامه مع المشهد الثقافي والديني للمجتمع المغربي، خاصة أن هذه المركبات ظلت لسنوات تحمل عبارات دعوية مستمدة من التراث الإسلامي.

ويندرج هذا الإجراء ضمن مقتضيات تنظيمية جديدة حددتها بنود القرار الوزاري المشترك رقم 1250، الذي دخل حيز التنفيذ خلال الأسابيع الماضية، وينظم شروط الصحة والسلامة في عمليات نقل الجثامين ودفنها ونبش القبور. يوم الثلاثاء، تصاعد الجدل بشكل لافت بعد تداول صور توثق التطبيقات الأولى لهذا القرار على عدد من سيارات نقل الأموات في مدن مغربية مختلفة، مما أثار موجة من التعليقات والتحليلات المتباينة بين الرفض والاستغراب والتساؤل عن دوافع التوقيت.

ويرى منتقدو القرار أن هذه الخطوة تمت بشكل متسرع دون تمهيد أو فتح نقاش مجتمعي حولها، خصوصاً أنها تمس جانباً رمزياً حساساً في وجدان المغاربة. ويعتبر هؤلاء أن إزالة العبارات الدينية من سيارات نقل الأموات لا تعالج إشكالات حقيقية مرتبطة بحقوق الأقليات، بقدر ما تخلق توتراً رمزياً غير ضروري في مجتمع يعيش استقراراً دينياً واجتماعياً ملحوظاً. ويشيرون إلى أن المغرب يعرف تعايشاً مستقراً بين مكوناته المختلفة دون حاجة لمثل هذه الإجراءات التي قد تُفهم كمساس بمظاهر دينية تمثل الأغلبية الساحقة من المواطنين.

ويؤكد متابعون للشأن العام أن نسبة الأقليات الدينية في البلاد تبقى محدودة جداً، ولا تتجاوز في مجموعها واحداً في المائة من إجمالي السكان وفق تقديرات أجنبية، وتشمل اليهود والمسيحيين وبعض التيارات الأخرى. ويلفت هؤلاء إلى أن أفراد هذه الفئات يعيشون في العموم داخل المجتمع دون مظاهر إقصاء اجتماعي مباشر، مما يجعل تعميم هذا الإجراء على جميع سيارات نقل الأموات موضع تساؤل، خاصة أنه كان بالإمكان تخصيص مركبات خاصة لنقل جثامين غير المسلمين بدل المساس بمشاعر الأغلبية.

وفي سياق المقارنات مع تجارب دول أخرى، يشير بعض المراقبين إلى أن غياب الشعارات الدينية على مركبات نقل الأموات في العديد من الدول الأوروبية يعود إلى سياقات مجتمعية مختلفة تتسم بتعدد ديني واسع وضعف الحضور الرمزي للدين في الفضاء العام. ويرى هؤلاء أن إسقاط النموذج نفسه على الحالة المغربية يفتقر إلى الدقة، نظراً لخصوصية المشهد الديني المغربي الذي تظل فيه الرموز الإسلامية حاضرة بقوة في مختلف مناحي الحياة، مما يجعل النقل المباشر لتجارب الآخرين غير مجدٍ ولا واقعي.

ويركز منتقدو القرار على أن السلطات ركزت في هذا الإجراء على المظهر الخارجي للمركبات، في حين تم تجاهل ملفات أكثر استعجالاً وحساسية تتعلق فعلاً بحقوق الأقليات ولا تمس مشاعر الأغلبية. ويتساءل هؤلاء عن الأولويات التي تحكم مثل هذه القرارات التنظيمية، خاصة في ظل وجود إشكالات عملية أكثر إلحاحاً في قطاع نقل الأموات تتعلق بظروف الحفظ والنقل والمعايير الصحية التي طالما طالب بها المهنيون والمواطنون على حد سواء.

وبين من يعتبر الخطوة تنظيماً تقنياً يهدف إلى توحيد شكل المركبات وتحسين معايير السلامة والوقاية، ومن يراها إجراءً صادماً للوجدان العام ولا يراعي الخصوصيات الثقافية، يتواصل الجدل حول مدى ملاءمة هذا القرار للسياق المجتمعي المغربي. وتظل الحاجة ماسة، كما يقول مراقبون، إلى فتح نقاش أوسع يوازن بين متطلبات التنظيم الإداري واحترام الثوابت الدينية والثقافية للمجتمع، مع الاستماع لمختلف الفاعلين في هذا المجال قبل فرض تغييرات بهذه الحساسية التي تمس جانباً أساسياً من هوية المجتمع المغربي.

المقال التالي