آخر الأخبار

291 مليار درهم ضريبة شركات في 2025.. والمواطن بين الديون والغلاء

حققت المداخيل الضريبية في المغرب قفزة نوعية خلال السنوات الأربع الأخيرة، مدعومة بأداء استثنائي لضريبة الشركات التي تجاوزت عتبة المئة مليار درهم لأول مرة. وأظهرت معطيات رسمية أن الإيرادات التي تديرها المديرية العامة للضرائب بلغت أكثر من 291 مليار درهم بنهاية السنة الماضية، مسجلة زيادة إجمالية تناهز 74 في المائة مقارنة بمستواها قبل أربع سنوات.

جاء الإعلان عن هذه الأرقام خلال خطاب ألقاه المدير العام للضرائب، يونس إدريسي قيطوني، أمام أعضاء الاتحاد العام لمقاولات المغرب، حيث قدم حصيلة الفترة الممتدة بين 2021 و2025. وأوضح المسؤول الحكومي أن وزن الإيرادات الضريبية قفز من 20.3 إلى 24.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مشيراً إلى أن هذا التقدم يعكس فعالية الإصلاحات المنتهجة، وذلك يوم الاثنين خلال الجلسة الافتتاحية للمنتدى المنظم بالدار البيضاء.

وأرجع قيطوني هذه الديناميكية الإيجابية إلى حزمة متكاملة من العوامل الهيكلية، مستبعداً أن تكون مجرد نتيجة لزيادة الأسعار أو تشديد الجبايات. وأكد في تصريحه أن «هذه الزيادة في الإيرادات ليست بأي حال من الأحوال نتيجة لزيادة العبء الضريبي، بل لإصلاح ضريبي منهجي ومتوازن يقوم على توسيع القاعدة واستعادة الإنصاف ومكافحة الاحتيال والتهرب الضريبي».

وتشكل ضريبة الشركات العمود الفقري لهذا النمو اللافت، حيث قفزت حصيلتها من 47.7 مليار درهم إلى 100.3 مليار درهم، مسجلة ارتفاعاً تاريخياً بنسبة 110 في المائة. وبهذا الأداء، تصبح هذه الضريبة أول وعاء يتجاوز حاجز المئة مليار درهم، مؤكدة مكانتها كمحرك رئيسي للمداخيل العمومية، بينما سجلت الضريبة على القيمة المضافة المحلية ارتفاعاً بنسبة 58 في المائة لتبلغ 71 مليار درهم، في حين حققت الضريبة على الدخل زيادة بنسبة 47 في المائة، مستقرّة في حدود 70 مليار درهم.

ويكشف تحليل الأرقام عن مساهمة متفاوتة للضرائب في الزيادة الإجمالية البالغة 101.1 مليار درهم، حيث تستأثر ضريبة الشركات بأكثر من النصف بقيمة 52.6 مليار درهم، تليها الضريبة على القيمة المضافة بـ26.1 مليار، ثم الضريبة على الدخل بـ22.4 مليار. لكن هذه الحصيلة القياسية تطرح أكثر من سؤال حول وجهة هذه الأموال، خصوصاً في ظل غياب نقاش عمومي حقيقي حول كيفية تدبير النفقات العمومية، ومدى انعكاس هذه المداخيل على حياة المواطنين الذين يعانون من ارتفاع تكاليف المعيشة وتآكل قدرتهم الشرائية.

فبينما تعلن الحكومة عن أرقام قياسية في التحصيل، لا يزال المواطنون يتساءلون عن مآل هذه المليارات في ظل تراكم معضلة المديونية التي تثقل كاهل الميزانية العامة، حيث ترتفع فوائد الديون بشكل مطرد لتلتهم جزءاً متزايداً من الإيرادات الجبائية. ويتساءل مراقبون عن جدوى هذا الارتفاع في المداخيل إذا كان مصيره تمويل عجز الميزانية وخدمة الديون عوض توجيهه نحو دعم القدرة الشرائية وتمويل القطاعات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم، أو التخفيف من آثار الغلاء الذي يثقل كاهل الأسر المغربية.

ولا يمكن إغفال التساؤلات المشروعة حول مدى نجاعة ترشيد النفقات العمومية في ظل استمرار بعض الممارسات التي تستنزف المال العام. فملفات الفساد المالي والرشوة والمحسوبية لا تزال حاضرة في المشهد، مما يضعف الثقة في جدوى الزيادة الضريبية ويعمق الشعور بعدم العدالة، خاصة عندما يقترن ذلك بارتفاع الأسعار واستمرار بعض الاختلالات في المرافق الأساسية التي يدفع المواطن ضرائبه من أجل تحسينها، بينما يرى أن الأعباء تتزايد دون تحسن ملموس في جودة الخدمات.

ويطرح غياب التفاصيل الدقيقة حول مكونات الضريبة على الدخل تحدياً أمام قراءة دقيقة لمصادر نموها، إذ يصعب التمييز بين حصة الأجور وحصة الدخل المهني. هذا النقص في التقطيع يحول دون تقييم موضوعي لمدى عدالة التوزيع الضريبي، ويمنع استخلاص استنتاجات دقيقة حول الفئات الأكثر مساهمة في تمويل الخزينة، كما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الديناميكية تعكس ضغطاً متزايداً على المداخيل الفردية عبر الاقتطاع المباشر من الرواتب في وقت ترتفع فيه أسعار المواد الأساسية.

ويبقى الرهان الأصعب للمرحلة المقبلة هو تجاوز منطق تحصيل الضرائب فقط نحو رؤية متكاملة تربط الزيادة في المداخيل بتحسن ملموس في جودة الخدمات العمومية ومعالجة الاختلالات الهيكلية. فالهيمنة الواضحة لضريبة الشركات على النمو الإجمالي تعيد طرح سؤال العدالة الجبائية، لكن الأهم هو السؤال عن مصير هذه المليارات في مواجهة استمرار نزيف الفساد وتفاقم المديونية وارتفاع تكاليف المعيشة، خصوصاً مع غياب رؤية واضحة لترشيد النفقات بما يخدم التنمية الحقيقية ويخفف الأعباء عن المواطن الذي يجد نفسه في صلب المعادلة: يؤدي ضرائب قياسية، لكنه لا يلمس تحسناً في يومه وفي قدرته على مواجهة الغلاء.

المقال التالي