آخر الأخبار

من قرض سريع إلى فخ قانوني.. كيف تعمل شبكات الإقراض غير القانوني “المتيريس”؟

شهدت بعض المدن الكبرى، خاصة الدار البيضاء ومراكش، في الآونة الأخيرة تصاعد نشاط شبكات القروض غير القانونية المعروفة بـ“المتيريس”، مستفيدة من المستجدات المرتبطة بدخول مقتضيات جديدة تخص الشيكات حيز التنفيذ، من أجل تشديد الضغط على المدينين عبر تفعيل شيكات الضمان ومتابعتهم قضائيا أو دفعهم إلى التنازل عن ممتلكاتهم تحت التهديد.

ويقصد بـ“المتيريس” شبكات إقراض تنشط خارج الإطار البنكي والقانوني، وتقوم على منح أموال مقابل فوائد شهرية مرتفعة قد تصل إلى 10 في المائة أو أكثر. في البداية يتم تقديم العرض على أنه بسيط وسريع، حيث يمنح مبلغ مالي مقابل أداء فائدة شهرية محددة، مع اشتراط توقيع شيكات بمبالغ تشمل أصل الدين والفوائد كضمان. فمثلا من يقترض 100 مليون سنتيم يلتزم بأداء 10 ملايين سنتيم عن كل شهر، وإذا تعذر عليه السداد في الأجل المحدد يعاد احتساب الفائدة عن شهر إضافي بالنسبة نفسها، مع الاحتفاظ برأسمال الدين، ما يؤدي إلى تضخم المبلغ بشكل متسارع ويجعل الخروج من هذه الدوامة أمرا بالغ الصعوبة.

وتعتمد هذه الشبكات على آلية إعادة الجدولة كلما تأخر الأداء، فتتراكم الفوائد شهرا بعد آخر، بينما تبقى الشيكات وسيلة ضغط جاهزة للاستعمال. كما تلجأ في حالات عديدة إلى الترهيب والابتزاز عبر وسطاء يوهمون الضحايا بأنهم مكلفون بتنفيذ القانون، في حين أن الشيك من الناحية القانونية يعد أداة وفاء فورية، ما يجعل الدفع بأنه سُلّم على سبيل الضمان فقط أمرا نادرا ما يعتد به أمام القضاء الزجري.

ومن بين الحالات المسجلة ـحسب يومية الصباح- تاجر وجد نفسه بعد تداعيات جائحة كورونا في أزمة سيولة، فلجأ إلى الاقتراض بمبلغ 60 مليون سنتيم بفائدة شهرية بلغت 12 في المائة، وظل يؤدي الفوائد إلى أن عجز عن الاستمرار، فاضطر إلى اقتراض جديد لتغطية القديم مع تحرير شيكات إضافية تشمل فوائد وعمولات جديدة. ومع مرور الوقت ارتفعت المبالغ المستحقة وأصبحت أرباح تجارته تذهب بالكامل لتسديد الفوائد، قبل أن يضطر إلى تفويت شقة يملكها بالدار البيضاء لفائدة الدائن مقابل التنازل عن شكاية تتعلق بإصدار شيكات بدون مؤونة، في حين ظلت شيكات أخرى بيد الشبكة التي تبين أنها تدار من طرف شقيقين.

ولا تقتصر أفعال هذه الشبكات على الإقراض بفوائد فاحشة، بل تمتد إلى أفعال قد تندرج ضمن النصب والابتزاز وانتحال صفات، كما يمكن أن تثير شبهة غسل الأموال باعتبار أن العائدات المتحصلة من أنشطة غير مشروعة قد يعاد إدماجها في الدورة الاقتصادية بطرق مختلفة. وفي هذا السياق كان هشام بلاوي رئيس النيابة العامة والوكيل العام للملك لدى محكمة النقض قد أكد خلال افتتاح السنة القضائية الأخيرة تسجيل مئات القضايا المرتبطة بغسل الأموال، مشددا على أن مكافحتها تدخل ضمن استراتيجية وطنية مستدامة تقوم على تتبع الأصول الإجرامية وحجزها ومصادرتها.

كما تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الأموال المغسولة عالميا قد تتجاوز في بعض التقديرات 2 تريليون دولار سنويا، وهو ما يعكس خطورة الجرائم المالية على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وأمام هذا الواقع يجد العديد من الضحايا أنفسهم عالقين بين تراكم الفوائد والتهديد بالمتابعة القضائية، في ظل هشاشة أوضاعهم المالية وصعوبة الولوج إلى التمويل البنكي، لتتحول القروض السريعة إلى فخ مالي وقانوني معقد.

المقال التالي