آخر الأخبار

واشنطن تتراجع عن تصريحات سفيرها بشأن “الحق التوراتي” لإسرائيل في أراضٍ عربية

أثارت تصريحات مثيرة للجدل أدلى بها سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل، مايك هاكابي، موجة غضب رسمية وشعبية في عدد من الدول العربية والإسلامية، بعدما تحدث عن تبرير سيطرة إسرائيل على مساحات واسعة من الشرق الأوسط استناداً إلى نصوص توراتية. وسرعان ما سارعت واشنطن إلى إصدار توضيح رسمي أكدت فيه أن هذه التصريحات لا تعكس أي تغيير في سياستها بالمنطقة. وجاءت الردود العربية لتعبّر عن رفض قاطع لهذه الطروحات، معتبرةً أنها تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لاستقرار المنطقة وسيادة دولها، في ظل تحذيرات متزايدة من تداعيات مثل هذه المواقف على مستقبل العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.

وكان هاكابي قد أدلى بهذه التصريحات، الأحد، خلال مقابلة مع الإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون، حيث سُئل عن احتمال مطالبة إسرائيل بأراضٍ تمتد من الأردن وسوريا ولبنان إلى أجزاء من السعودية والعراق وتركيا. فردّ قائلاً: «لست متأكداً أننا سنذهب إلى هذا الحد، ستكون قطعة كبيرة من الأرض». وعندما ضغط عليه كارلسون بالسؤال: «هل لإسرائيل الحق في تلك الأرض؟» أجاب: «سيكون الأمر لا بأس به إذا أخذوها كلها». كما دافع السفير الأمريكي عن الجيش الإسرائيلي في حرب غزة، معتبراً أنه كان «أكثر أخلاقاً» من الجيش الأمريكي، وأن قتل الأطفال الصغار له ما يبرره، وهي تصريحات وصفتها أوساط حقوقية ودولية بأنها تحريضية وخطيرة.

وفي سياق ردود الفعل الرسمية، أصدرت أربع عشرة دولة عربية وإسلامية بياناً مشتركاً دانت فيه بشدة تصريحات هاكابي. ووقّعت على البيان كل من مصر والأردن والإمارات والسعودية وقطر وإندونيسيا وباكستان وتركيا وسوريا والسلطة الفلسطينية والكويت ولبنان وعُمان والبحرين، إلى جانب الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي. وأكد البيان أن هذه التصريحات تمثل «انتهاكاً صارخاً» للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتشكل «تهديداً جسيماً لأمن المنطقة واستقرارها»، مشدداً على أنها تتنافى كلياً مع الرؤية التي طرحها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء النزاع في غزة.

ورأت الدول الموقعة أن هذه التصريحات تأتي ضمن سياق خطة أمريكية إسرائيلية ترمي إلى فرض واقع جديد في المنطقة، مجددة التأكيد على أنه «لا سيادة لإسرائيل على الأرض الفلسطينية المحتلة أو على أي أراضٍ عربية محتلة أخرى». كما أعربت عن رفضها التام لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن قطاع غزة، ومعارضتها الشديدة لتوسيع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مؤكدة التزامها الثابت بحق الشعب الفلسطيني غير القابل للتصرف في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967، وإنهاء الاحتلال لجميع الأراضي العربية المحتلة.

من جهتها، أدانت وزارة الخارجية الإيرانية تصريحات السفير الأمريكي، إذ وصف المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي هذه التصريحات، في تدوينة على منصة «إكس»، بأنها «تشكل دليلاً جلياً على الانخراط النشط للولايات المتحدة في الحروب التوسعية التي يشنها الكيان الصهيوني وفي سياسات الإبادة الجماعية ذات الطابع الاستعماري بحق الشعب الفلسطيني». وأضاف أن هذه المواقف تعكس انحيازاً كاملاً لواشنطن إلى إسرائيل، داعياً المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤولياته إزاء ما وصفه بالتصريحات الاستفزازية.

وفي تل أبيب، أصدرت السفارة الأمريكية بياناً توضيحياً أكدت فيه أن تعليقات السفير «أُخرجت من سياقها ولا تعكس تغييراً في سياسة واشنطن الرسمية». وأوضح متحدث باسم السفارة أن تصريحات هاكابي فُسّرت خارج إطارها الحقيقي، الذي جاء في سياق نقاش حول نصوص دينية لا مواقف سياسية رسمية للولايات المتحدة، مشدداً على أن موقف الإدارة الأمريكية لم يتغير تجاه القضايا المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأن واشنطن ما تزال تؤكد دعمها للحلول الدبلوماسية في المنطقة.

ويُعرف هاكابي بكونه من التيار المسيحي الإنجيلي الداعم بقوة لإسرائيل ولحركة الاستيطان في الضفة الغربية، كما يُعد من أبرز المعارضين لحل الدولتين. وقد سبق أن شغل منصب حاكم ولاية أركنساس قبل تعيينه سفيراً لدى إسرائيل خلال إدارة ترامب. وخلال المقابلة نفسها، أشار كارلسون إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وصف الفلسطينيين في غزة بأنهم «عماليق»، في إشارة إلى نصوص توراتية تُستدعى أحياناً في الخطاب السياسي، فردّ هاكابي بأنه لا يعلم مدى دقة هذه الاستعارة، محيلاً السؤال إلى نتنياهو.

وعلى صعيد الرأي العام، شهدت منصات التواصل الاجتماعي موجة تفاعل واسعة رافضة للتصريحات، إذ اعتبر ناشطون أنها تكشف جانباً من التصورات التوسعية داخل بعض الأوساط السياسية الداعمة لإسرائيل. وتداول مستخدمون صوراً لزي عسكري إسرائيلي يظهر عليه رسم يرمز إلى ما يسمى «إسرائيل الكبرى من النيل إلى الفرات»، وهو ما أعاد إلى الواجهة المخاوف العربية الرسمية والشعبية من مشاريع تغيير الجغرافيا السياسية للمنطقة، ووضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار جديد في علاقتها مع حلفائها العرب الذين ينتظرون مواقف أكثر وضوحاً واتساقاً مع القانون الدولي.

المقال التالي