محكمة النقض ترسم الحدود القضائية للعقوبات البديلة في قرار وُصف بـ “الرائد”

أصدرت محكمة النقض أول قرار من نوعه يحدد الجهة القضائية المختصة قانوناً للنظر في المنازعات المرتبطة بتطبيق نظام العقوبات البديلة، في خطوة أعادت رسم الإطار القانوني لهذه الآلية العقابية الحديثة. وجاء القرار عقب طعن تقدّم به الوكيل العام للملك لدى محكمة الاستئناف بالقنيطرة، حيث قضت أعلى هيئة قضائية بنقض وإبطال قرار صادر عن غرفة المشورة بالمحكمة نفسها بسبب عدم الاختصاص.
وتعود تفاصيل القضية إلى ملف يخص شخصاً سبق الحكم عليه بعقوبة حبسية نافذة، إذ تقدّم بطلب إلى قاضي تطبيق العقوبات لدى المحكمة الابتدائية بالقنيطرة قصد استبدال العقوبة السالبة للحرية بعمل للمنفعة العامة. وقد استجاب القاضي للطلب وأصدر قراراً بالتحويل، غير أن النيابة العامة عارضت ذلك القرار، ليُعرض النزاع لاحقاً على غرفة المشورة لجنح السير بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة، التي أيّدت القرار الابتدائي، وهو ما دفع الوكيل العام للملك إلى الطعن فيه بالنقض يومه الجمعة.
ولم تكتفِ محكمة النقض بالبت في أوجه الطعن المقدمة، بل أثارت من تلقاء نفسها مسألة مرتبطة بالنظام العام تتعلق بعدم اختصاص الغرفة التي أصدرت القرار المطعون فيه. واعتبرت المحكمة أن غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف بالقنيطرة ليست مخولة قانوناً للبت في هذا النزاع، مستندة في تعليلها إلى مقتضيات المادتين 599 و600 من قانون المسطرة الجنائية.
وأكدت المحكمة، في قرارها الذي نشره عبد الرحمان الباقوري، أن الجهة القضائية المختصة للبت في هذه المنازعة هي غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، باعتبارها آخر جهة قضائية تعاملت مع الملف وأصدرت قراراً ابتدائياً. وشدد القرار على أن نظر النزاع من طرف جهة غير مختصة يُعد خرقاً صريحاً لقواعد الاختصاص القانونية، وهو ما يجعل القرار عرضة للنقض والإبطال.
وبناءً على هذه المرتكزات القانونية، قضت محكمة النقض بنقض وإبطال القرار الصادر عن غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف، مع إحالة الملف للبت فيه من جديد أمام غرفة المشورة بالمحكمة الابتدائية بالقنيطرة، حتى يُفصل فيه وفق الإجراءات القانونية السليمة. ويكرّس هذا القرار سابقة قضائية تضبط مسار الطعون المرتبطة بملفات العقوبات البديلة، وتحصر النظر في منازعاتها لدى الجهة المختصة أصلاً، بما يعزز وضوح المساطر واستقرار الاجتهاد القضائي في هذا المجال.

تعليقات